الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

تربية الكراهية.. قنابل بشرية موقوتة

من يهنئ أهله في 'ديار الإسلام' بخلو قرية من المسيحيين فإنه يجهل حكمة التنوع، فطرة الله التي فطر الناس عليها، فلو شاء لجعل الناس أمة واحدة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/12/15، العدد: 10128، ص(9)]

بعد وفاة “الخواجة نبيل” رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، سمعت أغرب شماتة برجل من الصالحين.

لم يكن الرجل “خواجة” ولا أجنبيا، ولكننا سمعنا آباءنا يقولون له “يا خواجة”، فناديناه كذلك. وكان أخوه الأكبر “الخواجة يوسف” قد سبقه إلى الموت، فعاش “الخواجة نبيل” في قريتنا وحيدا ونبيلا ومحبوبا. كان يصطحب في سيارته الصغيرة أي عائد من سفر إلى القرية، وفي المدرسة الثانوية بقرية مجاورة كنا نسارع إلى حشر أجسادنا النحيلة في سيارته، وهو يهمس “على مهلكم يا ولاد”، وتلك مبادرة لا يقدم عليها أصحاب السيارات المسلمون. لم يأت أقارب “الخواجة نبيل” إلى القرية إلا بعد وفاته، وحين رأوا حزن الناس عليه قالوا: كان لديه حق حين اختار البقاء بين المسلمين الطيبين. ومن حسن الحظ، حظنا وحظهم، أنهم غادروا قبل أن يصلهم صراخ إمام المسجد مهنئا المصلين، في خطبة الجمعة، بأن البلد خلا أخيرا من المسيحيين وأصبح خالصا لأهله.

بين المسلمين الطيبين الذين عاش الرجل معهم، وخطيب الجمعة الشاب، مسافة نفسية لا تخص اختلاف الأجيال وإنما الأفكار. كانوا بسطاء لديهم قدر متفاوت من تدين شعبي، وتسامح إنساني يحلو للكثير من السلفيين والتكفيريين وخريجي الأزهر من الخطباء الشبان أن يستبدلوا به مصطلح “التسامح الإسلامي”، ومعناه أن من يتسامح يملك أيضا ألا يمنح هذا الحق في التسامح، انطلاقا من فقه ينتمي إلى عصره لا إلى جوهر الدين، وقد كتب ذلك الفقه في مراحل صعود الدولة الإسلامية، وتأثر بمنطق القوة، ولا يلام كاتبوه فقد اجتهدوا وأثيبوا، وعلينا دراسته في ضوء سياقه التاريخي، حين قسم العالم بين “دار الإسلام” و”دار الكفر”، وتناول قضايا متحفية عن الرق والاستعباد والجزية وأهل الذمة، وفرق في حقوق الجار بين المسلم والذمي والكافر، في خصومة صريحة لمنطق العصر وحقوق المواطنة.

لكن خطاب الإمام الشاب لا يقتصر على ميكروفون مسجد القرية، ولكنه يوجهه أيضا إلى مسلمين في قلب عاصمة أوروبية، ولكن من دون ميكروفون هذه المرة، رضوخا لقوانين صارمة تمنع الإزعاج الصادر من أي دار للعبادة، مسيحية أو إسلامية. يحرص الخطيب الشاب على البدل المالي الكبير فيسافر رسميا ليعظ مغتربين أغلبهم هبط على الشاطئ الأوروبي بعد مخاطرة بالحياة، وبعد أن بلغت أوروبا سن الرشد الإنساني، فأطعمتهم من جوع وآمنتهم من خوف، ومنحتهم إعانة بطالة مشروطة ومحددة بفترات لا يجدون فيها عملا. فإذا دخلوا سوق العمل فعليهم الإبلاغ لكي تنقطع هذه المعونة الاجتماعية، وينالها غيرهم من الضحايا، المسلمين غالبا، على أن تقتطع نسبة من رواتب العاطلين السابقين لتذهب إلى أبناء السبيل. ولكنهم ينخرطون في العمل ولا يبلغون، في تهرب صريح من دفع الضرائب، ويستمرون في نيل مبالغ الضمان الاجتماعي بالتدليس. وينصحهم الخطيب الشاب بالاستمرار في هذا المسعى، ولا ينهاهم عن الحصول على أموال مصدرها ضرائب على الخمور ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، بل يبشرهم بقرب انتصار الإسلام على النصارى، ويبخل عليهم بصفة المسيحيين.

من يهنئ أهله في “ديار الإسلام” بخلو قرية من المسيحيين فإنه يجهل حكمة التنوع، فطرة الله التي فطر الناس عليها، فلو شاء لجعل الناس أمة واحدة. فإذا دعا هذا الإمام الشاب مغتربين ينعمون بالأمن والمساواة في “ديار الكفر” إلى الكراهية المختارة فهو كاذب، يخون الأمانة، ويحرض على القتل حين يتهم المسيحيين بالكفر، فيسارع شاب متحمس إلى قتل “المسيحي الكافر” لكي تخلو الأرض للمسلمين. ولو أن هذا الخطيب الشاب، الحريص على بدل الموعظة “غير الحسنة” بالدولار، تدبر القرآن لنفعته هذه الآية: “قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل”، (المائدة 68)، فهل يدعوهم الله إلى إقامة كتاب محرف؟

إذا فتح باب الكراهية الدينية، انطلاقا من نصوص الكتب المقدسة، فيسهل على أي متعصب مسيحي أيضا أن يرفع في وجه الملايين في الغرب هذه الآيات “احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة” (متى، الإصحاح 7، الآية 15). وما جرى في هولندا عام 2004 دليل على كراهية متبادلة مفتوحة على الجحيم.

عرض التلفزيون الهولندي فيلم “الخضوع” عن العنف ضد المرأة في المجتمعات المسلمة، وفيه تتعرض امرأة للاغتصاب وهي ترتدي ثيابا شفافة لا تخفي آيات قرآنية وآثارا للجلد بالسياط. فيلم كلف مخرجه ثيو فان جوخ حياته إذ قتله محمد بويري الشاب الهولندي من أصل مغربي، فحكم عليه بالسجن مدى الحياة، وبعد سنوات سيحتج البرلماني اليميني خيرت فيلدرز بالجريمة، ويقول إن “بويري دليل على أن الإسلام يحرض على العنف”، ثم يتمادى في المغالاة ويقارن الإسلام بالفاشية، والقرآن بكتاب هتلر “كفاحي”. وتدور عليه الدائرة ويواجه دعوى تتهمه بالحض على الكراهية والتمييز ضد المسلمين، وسيقتدي به المرشح الجمهوري المحتمل في انتخابات الرئاسة الأميركية دونالد ترامب حين دعا إلى منع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة.

تنطلق أفكار القتل العنصرية من تأويل خاطئ لنصوص في الكتب المقدسة، أو رد فعل على جرائم يرتكبها متشددون فيتهم بالإرهاب دينهم الذي دعاهم إلى الجريمة. ولا يتعلق الأمر باختلاف الدين، وإنما يمتد إلى اختلاف الرأي أو اختلاف المذهب.

الخطورة في الجيل القادم من أبناء المهاجرين. يعيشون هناك في انتظار انتصار الإسلام، ودخول مسيحيي أوروبا في الإسلام أفواجا. وفي الآونة الأخيرة قالت وزيرة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج نبيلة مكرم إن في إيطاليا نحو ثلاثة آلاف طفل مصري هربهم ذووهم بطرق غير مشروعة، لكي يحصلوا على أموال الضمان الاجتماعي ويرسلوها إليهم. أغلبهم يمارس مهنا غير مشروعة، وقد يصير صيدا داعشيا، وتلك كارثة أخرى ربما نجني ثمارها الدامية قريبا.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر