الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

تواصل اجتماعي مانع للتفكير

التدفق الهائل الذي تفتح بواباته وسائل التواصل الاجتماعي على اتساعها أنتج كائنا متلقيا سيكون في بعض الأحيان مفرطا في السلبية، لعجزه عن ملاحقة ما يحيط به من رسائل.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/12/15، العدد: 10128، ص(18)]

لم تخرج وسائل الاتصال عبر تاريخها عن ثلاثية المرسل والرسالة والمستقبِل، وكان المعنيون بالوسائل الاتصالية أكثر رضا بالتأثير الذي تتركه الصحيفة والمجلة والشاشة والمذياع في نفوس المتلقين وكيف كان ينمو تأثير الرسائل تدريجيا في ذهن المتلقي وكيف ينشئ موقفا ثم ما يلبث أن يجلس ذلك المتلقي إلى طاولته فيدبّج رسالة رد موجهة إلى الوسيلة الاتصالية لينشأ ذاك الحوار المتعلق بالأفكار ويتطور.

هو إيقاع ميز شكل حياة بأكملها وطبع حياة الأفراد والمجتمعات، وخلق أيضا عادات في التواصل مع الميديا، وأنشأ أيضا وعيا كاملا كان للمتلقي فيه مساحة عريضة من التفكير في الرسائل المتدفقة وأخذ موقف منها.

ربما كان هذا كله مما يمكن أن تجده في المتحف والأرشيف أو في محركات البحث لتعرف ماذا قال الناس عن ذاك التاريخ السحري وهم يتطلعون إلى المستقبل: يا ترى ماذا سيحصل في العام 2000؟ أكيد أنها نهاية الكون بسبب التطور الاتصالي الهائل، أما اليوم ونحن نشهد ما نشهد من تسارع قطعت فيه البشرية في حقول الميديا خلال أقل من نصف قرن ما لم تقطعه خلال المئات من السنين، قفزات مذهلة أوصلتنا إلى ما صرنا نتداوله يوميا في كل بقعة من بقاع الأرض على أنه وسائل التواصل الاجتماعي التي أدمجت الشعوب ووسائل الإعلام والعادات والمفردات اليومية والأخبار وتحولات المناخ والحب والكراهية والصراعات والخاص والعام والشخصي والثقافة والعلم والتجارة وكل شيء في فضاء افتراضي واحد سلب الإنسان القدرة على الإحاطة بالزمن المستنفد في ملاحقة ذلك التدفق الهائل للرسائل.

التدفق الهائل الذي تفتح بواباته وسائل التواصل الاجتماعي على اتساعها أنتج كائنا متلقيا سيكون في بعض الأحيان مفرطا في السلبية، لعجزه عن ملاحقة ما يحيط به من رسائل، ثم عمدت شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي إلى ما هو أبعد، إلى كسر رتابة التلقي التقليدي فأنتجت مناخا تفاعليا حوّل حتى القارئ التقليدي إلى متابع.

الروائيون وسائر الكتّاب مثلا صاروا أكثر قربا من قرائهم بل ملتحمين بهم من خلال شبكات التواصل الاجتماعي يسألونهم عن سفراتهم وحياتهم الاجتماعية وآخر إنجازاتهم، ولكن من دون الخوض في تفصيل ما يكتبونه لأن المحاورين صاروا متابعين وليسوا قراء متفكرين، وحتى أولئك الكتّاب وجدوا أن اختصار الطريق إلى القارئ يكمن في الوصول إليه من خلال تلك الشبكات التواصلية فالقارئ سيصدر حكما تفاعليا سريعا لن يحتاج فيه إلى تفكير وتحليل وربما ستتدفق طلبات سريعة باتجاه الكاتب أن يكتب في هذا الموضوع أو تلك القضية وسيشعر المتابع -وليس القارئ- بالسعادة ويذهب راضيا إن استجاب الكاتب للطلب، إنها ببساطة حياة التواصل الاجتماعي التي لا حدود لها والتي لا تحتاج كثيرا من طاقة التفكير بقدر ما تحتاج إلى استعداد لا نهاية له للتلقي.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر