الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الترفّع عن الصغائر

الحكومات والمسؤولون عندنا سعداء بهذا، الشعب المنشغل باقتصاد الطاقة وبأسباب انهيار الإمبراطوريات وتراجع سعر الين، شعب مريح ولا يناكف الحكومة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/12/15، العدد: 10128، ص(24)]

نحن شعب عظيم وقوم جبارون. لا نأبه بالصغائر واهتماماتنا عالية وراقية. نهزأ من الصغائر مثل التعليم والصحة والمواصلات، فهذه أمور تافهة لا تستحق اهتمام العظماء. العظماء على أكتافهم تقوم المدنيات والحضارات والسلام العالمي.

معرفتنا أوسع وأعلى وأرقى. أي بائع خضار عندنا يعرف كيف جرت عملية تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك. اسأله سيحكي لك بنصف تركيز، إذ هو مشغول بلف كيلو الطماطم في كيس، عن علاقة “الأف بي آي” بالإرهابيين وعن إخراج الموظفين اليهود من المبنيين حتى لا يصابوا بأذى. المئات منهم سيقولون ذلك وقد يعطونك رقما محددا مثل مئتين أو اثنين وسبعين، إذا كنت محظوظا.

أساس هذا هو ليس مجرد الإيمان بالمؤامرات وبأن أمور العالم تدبر بليل وهناك كيد دائم. الأساس الحقيقي هو حب الظهور بمظهر العارف بشؤون كونية والترفع عن الصغائر. يعني أن بائع الخضار يدع الأمور التافهة مثل سبب ارتفاع سعر الطماطم التي يبيعها، يدعها للتافهين بينما هو يعمل فكره في أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي. والتوصل إلى أن غورباتشوف عميل للسي آي إيه.

ويستطيع أن يروي لك كيف جُند وكيف تسلق سلم الحزب الشيوعي السوفيتي وفي أي عام. المشكلة أن رفاقه وأصحابه في السهر بالمقاهي كلهم على شاكلته. تقرقر النرجيلة على وقع حديث عن تمويل حركة طالبان وكيف أنهم مدعومون من قبل القوى الغربية. والاستشهادات التي يسوقونها عجيبة. اكتشفت أنهم يحبون التحليل الجيو-استراتيجي لكن أدوات التحليل تنتمي إلى سوق الخضار ومكائده اليومية. المضحك هو علو شأن الموضوع وتدني أدوات معالجته.

أذكر أني وصلت إلى القاهرة ليلة انعقاد قمة شرم الشيخ لاتخاذ موقف عربي موحد من غزو العراق الذي بات وشيكا في مطلع مارس من عام 2003. راح سائق التاكسي القاهري، كالعادة، يحدثني عن الغزو وعن المؤتمر واحتمالات الحرب بلهجة الخبير العالم. سألته بلهفة “هل حضر العراق إلى الاجتماع” فقال مترددا “لا أظن فشرم الشيخ منطقة سياحية والعراق شعبي شوية بسبب الحصار، ربنا يعينهم”. الحكاية لا تحتاج إلى تعليق لكنها تثبت ما أذهب إليه حول الموضوع والأدوات.

أي بائع بطيخ عندنا يقول بلهجة المتحكم في موضوعه “اسمع مني” بيقين ساطع ولهجة آمرة لا تدع مجالا للطعن في صحة ما يقول. “اسمع مني. أنا أخبرك بما قال ريغن لغورباتشوف في قمة ريكَفيك” ويمضي يسرد وقائع أكثر اجتماعات العالم سرية وقتذاك. يعجبني اليقين الذي لديه.

الحكومات والمسؤولون عندنا سعداء بهذا. الشعب المنشغل باقتصاد الطاقة وبأسباب انهيار الإمبراطوريات وتراجع سعر الين، شعب مريح ولا يناكف الحكومة. رأيت بنفسي في حارات عاصمة عربية طفح مجاري الصرف الصحي وأقرأ عن سوء صيانة المنشآت وعن تدهور التعليم ومدارس آيلة للسقوط ومستشفيات فيها جرذان سعيدة، بينما الشعب يتحلق كل ليلة في مقهى ويستهجن جرائم الخمير الحمر في كمبوديا. الحكومات سعيدة طبعا لأنها ليست مسؤولة عن جرائم الخمير الحمر. هي مسؤولة عن الصرف الصحي لكن الناس منشغلة بما هو أهم.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر