الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

سـفر

قد لا يعشقه البعض مثلي.. لكنني أجده صنوا لكلمة حرية.. وصنوا لفكرة الأجنحة والطيران والانعتاق.. وأجده دواءً ناجعاً لمن أعياهُ المكوثُ والضجرُ واجترارُ التشابه والسكون.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2015/12/16، العدد: 10129، ص(21)]

عشقتهُ منذ طفولتي.. وبقيتُ طوال حياتي ما إن تطل كلمة “سفر” حتى أحس أن رئتيّ تتنفسان كل شيء جميل وملون وساحر.. ألعابٌ نارية وأضواء ومهرجاناتُ اكتشافٍ وفضول معرفة وأحلام يقظة تنبجسُ كلها مرة واحدة ما إن تلوح أمامي تلك الكلمة السحرية.. فكيف بفكرة السفر؟.. والاستعداد للسفر؟.. ولحظات يأزفُ موعدُ السفر؟

واذ أسعفتني الحياة برحلات كثيرة هنا وهناك.. صرت اُحس أن كل رحلة مهما كانت قصيرة أو خاطفة وكأنها عمر جديد أحياه خارج سياق حياتي.. أعود منه وقد تجدّدت خلايا روحي مهما كان نوع السفر أو تجربته.. فلهذا المارد دائما مفاجآته السارة والحزينة معا.. الجميلة والقبيحة.. المريحة والمتعبة.. الممتعة والمملة.. لكنه في النهاية سفر.. فهو الذي يُشبع جوع العين ويدثـّر بردَ الملل ويكسرُ رتابة الروتين وتكرار المشاهد والوجوه والأحداث..

للطريق وحده ولوسيلة النقل فيه متعة.. للانتظار في المحطات أو المطارات متعة.. للجهل بالمكان والخوف من المجهول متعة.. للقلق والتوجّس والارتياب وارتباك العادات اليومية وأسلوب النوم والمأكل متعة.. حتى لأمراض السفر وغدره نكهة تجربةٍ من نوع خاص ومختلف..

فللمسافات والابتعاد الجغرافي ميزة تنعشُ الأفكار.. ويصبح للتغيير معنى يجعل المستقرّ الأخير ونقطة العودة أياما كانت هي الأحلى.. لأننا نشتاقُ لبيوتنا دائماً ونحنّ للعودة إليها.. فالإنسان كائنٌ مستقر مهما كانت روح المغامرة فيه قويّة وعاتية.. ولذا ينصحنا بالسفر المجربون وأهلُ الحكمة إذا كنا نشعر بالغربة في بيوتنا أو بعدم الانتماء إلى أماكن سكننا.. لأننا بالسفر نبتعد فيفعل فينا الحنين فعلته ويعيدنا إلى أماكننا ونحن متجدّدون من الداخل ومنتمون بطريقة أو بأخرى.. وإن كان انتماؤنا متزعزعاً بشكل لا مفر منه.. فإننا بابتعادنا قد نستطيع تغيير حياتنا الساكنة لنؤثث بما نحب تفاصيلَ يومنا المعتاد.. وقد نكتشفُ عوالم أخرى نستطيع بها أن نبدأ حياة جديدة مختلفة تماما..

أما فضول المعرفة وحب الاكتشاف ومتعة الحواس واكتساب الخبرة فهي من أهم مقومات السفر.. مهما تعددت أسبابه وتنوعت غاياته: للعمل أو للعلاج أو للسياحة أو للهجرة أو أو.. إلخ.. ومهما كانت الرحلة طويلة أو قصيرة.. اضطرارا كانت أو اختيارا.. يبقى الأمر قيد الإثارة والتشويق ويبقى هاجسا مشوبا بالترقب والدهشة..

قد لا يعشقه البعض مثلي.. لكنني أجده صنوا لكلمة حرية.. وصنوا لفكرة الأجنحة والطيران والانعتاق.. أجده علاجا لكثير من أمراض الروح والجسد.. وأجده دواء ناجعا لمن أعياه المكوث والضجر واجترار التشابه والسكون..

وحين تحول دون سفري الظروف.. ويطول الزمان بانتظار تغيير المكان.. أجد نفسي أستعيض عن السفر الفعلي بسفر مفترض مؤقت.. فأجد السفر في كل كتاب جديد أقرأه.. وفي كل فيلم جميل أو عمل مسرحي أو حفل موسيقي أو متحف أو معرض.. أو مكان جديد اكتشفه.. أجد السفر في الطبيعة والخضرة وألوان الورد.. وأيضا وقبل كل شيء: مع كل صديق جديد يبادلني المحبة وكل صديق قديم يبادلني الذكريات..

أما أجمل السفر.. فهو السفر في الأحلام.. ففي الحلم تصبح الجغرافيا والتاريخ والمستقبل قيد أصابعنا وتحت تصرف خيالنا وهوانا.. وبالحلم نستطيع أن نسافر إلى حيث نشاء ومع من نشاء وكيفما نتمنى أو تشتهي أرواحنا..

صباحكم سفر جميل..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر