الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الأمالي

لو امتدّ به العمر، ونفَس الارتجال، كان سيعنون أحاديثه اللاحقة، بـ'تكملة الذيل'، وما بعدها بـ'حاشية التكملة'، لكن لم يكن في العمر بقية.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2015/12/16، العدد: 10129، ص(15)]

الكتابة هي نقيض الإملاء، امتحان مرعب وطافح بالشكوك، ومواجهة مع صفحة بيضاء، مهددة دوما بالمحو، بينما إلقاء الحديث على مدوّنين فيه احتفال متنقل، فضفضة وخطابة، تتلذذ بالكلمات. لهذا كان الكاتب دوما شخصا مريضا، مهووسا بعدم التكرار؛ لأن الكلمات تتحول في لحظتها إلى جمل، وتراكيب وفقرات، تتوسل أسلوبا ونسقا، لا ينتظم بيسر. بينما المملي شخص مرتاح يترك محنة الكتابة للمريدين، والتلامذة.

لا جرم إذن أن تملأ الأمالي الفصول والأقسام والمجلدات الطوال، وبعضها، إمعانا في إهانة النسق والأسلوب وصنعة الكتابة، احتفظت بلفظ الأمالي عنوانا لما ارتجلته من كلام، كتلك التي أطلقها على مؤلفه أبوعلي القالي الأندلسي، الذي اختار أن لا يبذل جهدا حتى في وصف ما أملاه، وحين أعجزته الوسيلة في وسم كتابه الذي أعقب أماليه، سماه "ذيل الأمالي". طبعا لو امتدّ به العمر، ونفَس الارتجال، كان سيعنون أحاديثه اللاحقة، بـ"تكملة الذيل"، وما بعدها بـ"حاشية التكملة"، لكن لم يكن في العمر بقية.

استحضرت أبا علي القالي الأندلسي قبل أسبوع، حين تلقيت طلب الإسهام في مشروع علمي حول قصر الحمراء، من مؤسسة علمية عربية معنية بالدراسات الأندلسية، بناء على جرد تضمن دراستين لي منشورتين في الموضوع ذاته، كنت قد أنجزتهما بعد زيارة امتدت لأسابيع لمؤسسة قصر الحمراء وجنة العريف، ومختبر الترميم والأرشيف التابع لهما، الذي تأسس في العشرينات من القرن الماضي، بمنحة من الاتحاد الأوروبي، برفقة خبراء في العمارة والتاريخ والأدب والتّحافة.

طلبت من المشرفين على المشروع تحديد عدد الكلمات المطلوبة، كان الجواب: هو خمسة وعشرون ألف كلمة، مع ملاحق لا تقل عن خمسة آلاف كلمة، وهو ما يوازي كتابا صغير الحجم، طبعا صارحت المشرفين بأنني بعد نشر العملين في الموضوع، لم يعد ثمة أشياء كثيرة يمكن أن أضيفها إلى المشروع، وأن المتن والملاحق المطلوبة لا تتناسب مع ما تبقى لديّ من أفكار ومادة حول الحمراء، وأنه من المحتمل أن أكرر ما نشرته، ومن ثمّ فإنه يصعب عليّ تسويد هذه الصفحات الطوال دون إدراج للمنشور، والأهم هو أن الموضوع يجب أن تخصص فيه أقسام عديدة لترجمة ما كتب من قبل الأسبان والغربيين عموما.

كان ما قلته يشبه اعتذارا لبقا عن عدم الكتابة، لكن ما فاجأني هو الرد التالي "من الممكن تضمين المقالين معا في الدراسة مع إضافات أخرى، المهم أن يستوفي البحث عدد الكلمات المطلوبة". تذكرت حينها صيغة عجيبة كانت ترد عند أصحاب "الأمالي"، يقف فيها حضرة الأديب الأريب عند فاتحة غرض ما ويعرف بأعلامه ثم يملي كتبهم من ألفها إلى يائها، دون حرج.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر