الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

مارون الحكيم يطيّب خاطر لبنان برسومات إيقاعية

  • يعيد الفنان التشكيلي اللبناني مارون الحكيم في معرضه التشكيلي الأخير بصالة “آرت سبيس، الحمرا” المتابع إلى زمن الموسيقار زكي ناصيف وإلى عالم المطرب نصري شمس الدين وأيضا إلى جهورية صوت وديع الصافي، حيث القرى اللبنانية في أبهى حلّتها، والأشجار في أجمل أيامها، وهي تنسحب أمام العين كسراب أخضر يلفح لفحا ليبلسم جراحنا المعاصرة، وذلك بأسلوب تعبيري مكثف برع الفنان العريق في صياغة مفرداته الواحدة تلو الأخرى.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/12/17، العدد: 10130، ص(16)]

تجريدية غنائية

بيروت- يصيب الفنان التشكيلي اللبناني مارون الحكيم في معرضه التشكيلي الأخير المعنون بـ”سليل الضوء” والمقام في صالة “آرت سبيس، الحمرا” البيروتية، من خلال جل لوحاته ما أراد التعبير عنه بقوله “تشكيل بوابات أفقية وأخرى عمودية من نور عابق برائحة الصنوبر، يستطيع زائر المعرض أن يدخل عبرها إلى عالم آخر، ولكنه عالم حقيقي يستطيع أن يلتمس العودة إليه إن أراد هو ذلك، عبر الإدراك وأيضا عبر الزيارة الميدانية، لما لا يزال لبنان يعبق به من قرى ومناطق، بالرغم من التدمير الهمجي الذي تعرض له من قبل أهله”.

الفنان مارون الحكيم غنيّ عن التعريف، وهو من أهم الفنانين التشكيليين اللبنانيين الذي أقام معارضه على الساحة الفنية منذ أواخر السبعينات من القرن الفائت.

بدأ حياته الفنية نحاتا ماهرا له أسلوبه الخاص وعرف بما سُمي “باللوحة المنحوتة” التي يجسم فيها تضاريس لونية تساهم في تشكيل اللوحة بثلاثة أبعاد، لكن ربما يبدو الفنان في عيون الكثيرين من متابعي تطوره بارعا أكثر في التشكيل اللوني أكثر من النحتي، وإن يبرز جليّا تأثر الأول بالثاني حتما.

جاءت لوحات الفنان الحالية والمعروضة في صالة “آرت سبيس، الحمرا” تتمتع بصخب وهدوء في الآن ذاته؛ لوحاته صاخبة لأنها تعج بالألوان المتداخلة أو المتقاربة، وصافية ونقيّة نقاء الهواء في أعلى قمم جبال لبنان. وأيضا لوحاته هادئة لأن لا إكثار فيها بحيث أن اللون يشير فيها إلى معنى أو مضمون اللوحة السرديّ أكثر بكثير من إشارته إلى ذاته.

اللون وسيط لا يحدث التباسا ولا يشتت الانتباه، وذلك بالرغم من استخدام الفنان له بتجريدية غنائية تُعلي من ضربات القلب وتردّ الروح إلى كل من اشتاق لبنان واغتسل بحبه.

مدينته جارة ربيع دائم، لا يؤمن الفنان اللبناني بأفول زمنه، حينما يطرح في لوحاته ألوانه الزاخرة بالحياة

الموروث والمعاصر

لا يمكننا أن نقول إن اللوحات في مراوحة بين الماضي والحاضر، لأن الفنان يُحضر الزمنين إلى أفق لوحته في آن، ولعل هذا أكثر ما يميز أعماله التي وضعها تحت عنوان “سليل الضوء”.

يقول الفنان إنه متأثر بالمورث الفني، وهو تلميذ الفنان التشكيلي اللبناني والرائد رشيد وهبي الذي شجّعه على متابعة دراسته الفنية، ولكن انتماءه لهذا الخط من الفن لم يحدّ من اتساع نظرته إلى الفن واعترافه بتطوراته الحالية سواء من حيث المواد المستعملة أو من حيث التقنيات المعتمدة.

لم يمنعه انتماؤه إلى الموروث الفني اللبناني من صياغة نص تشكيلي فريد استنبطه من حساسيته وملاحظاته الخاصة والمتجددة. فكلما ابتعد النهر عن منبعه كلما اكتسب انعكاسات أخرى، وكلما أوغل بعيدا في الزمن كلما رقّ وفاض على ضفاف تعرجاته المتفرقة.

لن يشعر الناظر إلى لوحاته بأنه أمام حنين متجلّ في لوحات هاربة، أو استعادة لما مضى من مشاهد الطبيعة اللبنانية، بل سيجد نفسه أمام أعمال معاصرة تخالط ما بين التعبيرية، والانطباعية والتجريدية في غنائية واحدة: غنائية الحاضر المجاور زمنيا لجغرافيا مدينيّة مُفرطة.

هذه التجريدية نعثر عليها خاصة في لوحة تبدو فيها المدينة وقد شيدت فيها مبان عالية وهي تجاور اخضرار الأشجار في خفقة واحدة، يطلق الفنان على هذه اللوحة عنوان “الضفتان: ريف ومدينة”، كما توجد لوحة ثانية تلفت الناظر إليها من خلال ذات الخاطرة ونفس الشعور وهي بعنوان “مدينتي جارة الربيع”.

مدينته جارة ربيع دائم، لا يؤمن الفنان بأفول زمنه، حينما يطرح في لوحاته ألوانه الزاخرة بالحياة، والتي لا تزال عابقة بعطر معجون الألوان الموجود على سطحها. كل من تعرّف على الفنان وعلى أعماله السابقة أدرك روح التجديد المتدفق في شرايين أعماله ورؤاه الفنية. يؤمن الحكيم بالتطور في الأسلوب والمواضيع، وبضرورة التجريب لأن ذلك من صلب ماهية الفن.

لوحات الحكيم صاخبة تعج بالألوان المتداخلة أو المتقاربة، وصافية ونقية نقاء الهواء في أعلى قمم جبال لبنان

ولعل معرضه الأخير يعبر كل التعبير عن قناعاته تلك، يقول الفنان في تقديمه للمعرض: لن أستريح وأملّ حتى تنضب علب الألوان من مخزونها، ولن أستسلم للضجر، ولن أتعب حتى القيامة، سأبتكر الاحتمالات حتى آخر الأنفاس.

احتمالات التعبير

ثمة نوعان من الاحتمالات التي أراد الحكيم خوض غمارهما، الاحتمال الأول تنتمي إليه مجموعة من اللوحات ذات نبرة تجريدية إيحائية تحاكي الأفكار والمشاعر الشخصية وتستخدم المشاهد الطبيعة منبرا أو ذريعة لتطلق لأصواتها العنان، ومن عناوين تلك اللوحات نذكر “مساكن الحبور”، “الماء لا يعطش”، “أنحني على صخرتي” و”تحرقني شمسك”.

أما النوع الثاني من احتمالات الفنان فهي تلك التي تنتمي إلى الانطباعية الغنائية المُطعمة بوحشية ألوان تأخذ المشاهد بعيدا في أفكاره، بعيدا عن مباشرة المشهد المنظور.

نذكر من عناوين تلك اللوحات “القرميد الطالع من الربيع”، و”رائحة الثلج: ياسمين”. ولعل أروع لوحة من هذه المجموعة تحمل اسم “بحيرة في غابة”.

من خلال هذا المعرض يدرك الزائر مدى التجارب والاحتمالات لدى الفنان، وهذا هو الفن، فلا يجب تصنيفه وفق انتمائه لزمن دون آخر أو لهوية دون أخرى، وخاصة في أوج تصادم وتلاقح الهويات.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر