السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

صنع الناقوس ليدق خطرا

إن الإنسان العربي يعيش أزمة هوية، وهو يتخبط فيها محاولا إنقاذها من قنوطه هو أولا، وثانيا من حُماتها الغيورين.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/12/17، العدد: 10130، ص(16)]

لا تمرّ سنة أو حتى بضعة أشهر حتى نقرأ في الجرائد أو المجلات العربية مقالا دسما حول مؤتمر ما عُقد من أجل الدفاع عن الموروث الفني، واتهام الفنانين العرب الجدد بتخلّيهم عن كل ما يربطهم بعراقة الفن الذي شهده العالم العربي ما بين فترة الخمسينات وأواخر التسعينات من القرن الفائت. يُستخلص غالبا من تلك الندوات أنه ثمة ناقوس يدقّ لينذر بمستقبل مشؤوم للفن العربي المعاصر الذي اختار طريقا غير طريقه.

الحقيقة أن معظمنا كقراء لا ندري تماما ما هو الطريق الذي يجب علينا أن نسلكه لكي تتسنى لنا قراءة عمل فني دون آخر، إذ أن هناك الكثير من العوامل الاجتماعية والسياسية التي تتضافر لتشكل أبجدية لقراءة فنية جديدة يستحيل اعتماد غيرها، إلاّ إذا أصررنا على البقاء حيث كنا، فما بالك بصانع العمل التشكيلي، الفنان، الذي تُعقد أصول عيشه وممارسته الفنية، إما عبر كونه تحت مطرقة الأزمات أو عبر تفاديه لتتالي ضرباتها. الأغرب من ذلك هو ما تقدمه تلك الندوات من صورة عن الساحة الفنية الراهنة، إذ تصفها بأنها تشريع وترويج لأزمة الهوية.

أهم استنتاجات هذه الندوات أن هذا النوع المأزوم من الفنون ستترتب عنه مخاطر وتشوهات تتخطى الفنان لتطال نظرة الإنسان العربي إلى ذاته، ولكن هل غفل المحاضرون أن حاضر الإنسان العربي قد طالته فعلا تشوّهات وتبدلات لا تحصى؟ ما هي المشكلة في ترويج أزمة الهوية؟ إن الإنسان العربي يعيش فعلا أزمة هوية، وهو يتخبط فيها محاولا إنقاذها من قنوطه هو أولا، وثانيا من حُماتها الغيورين.

ما الذي يجب أن يستحضره الفنان العربي المعاصر في لوحته حتى يكون فنانا عربيا أصيلا؟ بضعة خيول أو نساء مزركشات، أو ما تمخضت عنه الحرفية الجميلة من أولاد أو أحفاد سواء من ناحية الأسلوب أو من ناحية المواد المستعملة؟ أليس الفن هو قبل أي أمر آخر انعكاسا لحاضره؟

ألم يشكل جيل الستينات والسبعينات من الفنانين الذين يخاف على أرثهم (المحفوظ أصلا) مقيمو الندوات، ألم يشكلوا بدورهم ثورة على ما سبقهم من فنانين؟ وأيضا، أليس ذلك نوعا من الارتباط بالماضي عبر نقده وصولا إلى إقصائه، وربما احتمال العودة إليه لسبب من الأسباب؟ حتى هؤلاء الذين يتعرضون للفن العربي المعاصر ألا يعتبرون أن المنطقة العربية بأسرها تعيش فعلا أزمة هوية كردة فعل على فداحة العنف والإحساس بالتخلي، وتوالي الإخفاقات على جميع الأصعدة؟

ليست الصورة التي تقدمها تلك الندوات إلاّ مُجحفة في حق ذاتها، يكفي التمعن في الأعمال التشكيلية التي انتشرت وبكثرة في فترة ما قبل الألفية الثانية (مع بعض الاستثناءات كالفن الذي حاكى بطريقة أو بأخرى الأزمة الفلسطينية والحرب اللبنانية)، ففي تلك الأعمال توجد مغالاة غنائية واسترجاع مفردات الفن الاستشراقي، وتتناول مواضيع كالطبيعة الصامتة والمشاهد المباشرة للطبيعة والمُنجزة بتقنيات حديثة، وذلك بعيدا عن الطروحات والأفكار والمواقف الشخصية.

يكفي أن نذكر الكلمات التي وضعها الفنان السوري القادم من دير الزور إسماعيل رفاعي على صفحته الفيسبوكية، لندرك مدى الشرخ القائم بين التنظير الأكاديمي والواقع الفنيّ المعيش.

لقد أرفق الفنان كلماته بأعمال فنية حديثة له، تقارب شبحية المحارق ومأساوية الحاضر العربي، يقول الفنان “وجوه.. ترى ما الذي تبوح به.. حين تغصّ بدموعها الروح؟”.

فليدقّ ناقوس الخطر الذي تكلم عنه المنظّرون، ليدقّ عاليا. هذا هو هدف وجوده وهذا هو قدرنا.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر