الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

40 عاما على 'الكرنك'.. انحياز إلى حرية الفرد

  • تظل الأعمال الإبداعية خالدة في الذاكرة، طالما تستجيب للشروط الفنية وتلامس ذائقة المتلقي، ومادامت مكوناتها تخضع للمقاييس المعمول بها عند الحكم عليها من قبل النقاد. والحقيقة أن الأعمال الفنية، وخصوصا منها السينمائية التي ظلت محور حديث الناس، ومن بينها فيلم “الكرنك”، المقتبس من رواية الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، والتي تحمل العنوان ذاته. فيلم “الكرنك” يمر على عرضه 40 عاما ومازال يثير الجدل.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/12/17، العدد: 10130، ص(14)]

الكرنك أثر شاهد على الثورات

كنت حاطب ليل، أسعى إلى اكتشاف العالم، وأريد رؤيته بعينيّ، من دون وسيط يختار لي الطريق أو الغاية. آمنت بأهمية التجربة، ومن المصادفات أن “الكرنك” كانت الأقرب إلى يدي، أول رواية أشتريها لنجيب محفوظ، ثمنها 80 قرشا، والرقم المعدل بالقلم كان في الأصل المطبوع 60 قرشا. قرأت “الكرنك” ولم تعجبني، بل حالت سنوات بيني وبين أعمال محفوظ.

في وقت لاحق، سأفاجأ بأنها الرواية الوحيدة التي سجل محفوظ في نهايتها تاريخ الانتهاء من كتابتها، في ديسمبر 1971، رغم نشرها عام 1974، قبيل انفتاح الهويس الساداتي لإغراق تجربة جمال عبدالناصر بركام من أكاذيب وأساطير، فيها بعض من الحقيقة وأقنعتها.

بهذا التوثيق تبرأ محفوظ من ركوب موجة الهجوم على عبدالناصر الذي احترمه ولم يحبه، فمحفوظ هو العائش في الحقيقة التي تجسدت لديه في سعد زغلول. حيلة ذكية أعفت الروائي الماكر من بعض الحرج مؤقتا، ففي العام التالي، سيبعث المخرج علي بدرخان روحا في الرواية المتواضعة، ويطلقها قذيفة سينمائية من لحم ودم.

عرض فيلم “الكرنك” قبل أربعين عاما، في ديسمبر 1975، وصار عنوانا على مرحلة “الكرنكة”، ومهد الطريق أمام أفلام دعائية لم يكتب لها نجاح “الكرنك”، باستئثاره وحده بهذا الفتح وديمومة الدهشة، في ظاهرة مصرية لم يفلح في بلوغها فيلم من أعمال غزيرة تناولت سنوات الرصاص في المغرب.

الآن وبعد 40 عاما على إنتاج الفيلم، يمكن النظر إليه ببعض الموضوعية، هو نفسه غير موضوعي في انحيازه إلى الحرية، انحيازا إنسانيا واعيا ينتقد التوغل الأمني، ولا ينتقم من ميراث عبدالناصر.

في الفن يكون الحياد حجة البليد، والجسارة أن تتخذ موقفا من قضية، ثم تمتلك القدرة على تناولها بصدق فني، في عمل يتسم بأفق إنساني ينأى عن إطلاق الشعارات، وإلا فالأسهل أن تكتب مقالا يسب في موضع السباب، ثم لا يكون لهذا الصياح صدى في وقت لاحق، وهذا سر فتنة الفن في تجدده، واكتسابه مزيدا من الأصدقاء والأعداء، في الأجيال التالية.

طوى النسيان كثيرا من أفلام “الكرنكة”، عبرت ولم تنل حتى انتقادا؛ لأنها أعمال انتقامية موجهة، صنعت لما صنعت له. أما “الكرنك” فيصعب المزايدة على صنّاعه، مثلا: علي بدرخان ونور الشريف وصلاح جاهين، هم أبناء ثورة 1952 التي انحرفت مؤقتا عن أهدافها، وأصابها وسواس الشكوك في مؤيديها، والشك الأخطر هو مرض ممثلي الثورة بالخوف عليها حتى من رغبة الفرد في التفكير، وحقه في السؤال.

نجيب محفوظ يضع الانسان أمام اختبار قاس لآدميته

كانت الصدمة الأولى لأبطالها، وهم طلبة في كلية الطب، حين قدروا أن الفلاحين يمكن أن يستفيدوا بقماش ستكتب عليه لافتات مؤيدة للثورة، ما فائدة لافتة تحمل شعارات الثورة إذا صادفها فلاح لا يقرأ؟ وبقوة الوشاية انتقل الاقتراح إلى مسؤول أبلغ الطلبة أن السؤال ممنوع، وأن هناك من يقرر بدلا منهم.

في هذا السياق يمّحي الفرد الواحد الأحد، يتضاءل ولا تكون له قيمة إلا إذا تماهى في هيئة، أو انتمى إلى منظمة تديرها الثورة، فإذا اعتقل لا يحق له أن يسأل عن سبب اعتقاله، ولا يعرض على النيابة العامة، ولا يجرؤ حتى على الشكوى بعد الإفراج عنه، والأكثر طعنا لفرديته وإنسانيته أن يفقد اسمه ويصبح رقما.

وفي المعتقل سيقول الجلاد خالد صفوان إن من واجبه أن يصون الثورة بالقوة، لم يقل: ولو بالقتل والاغتصاب. ولكنه فعل، والتعبير الفني عن الجريمة يؤذي الجلادين والمدافعين عنهم، أكثر إيلاما من المشاركة في الجريمة. الجريمة الأقسى من التعذيب أن تصادر الحرية، ويلغى العقل تمهيدا للتسليم الكامل وفرض الوصاية.

يتغنى الفيلم بحرية رفعتها الثورة شعارا، وفي الأقبية يكتشف الطلبة الأبرياء وجود قوة مخيفة تعمل في استقلال كلي عن القانون والقيم الإنسانية، كما تقول زينب دياب في الرواية.

وللإفاقة من الغيبوبة كان لا بد من طوفان جسّده الانهيار الدرامي صباح 5 يونيو 1967، فتصدعت أركان دولة المخابرات، وليس في مصطلح دولة المخابرات إساءة إلى نبل أهداف الثورة. كان التخوين والاعتقال بالشبهات والتكفير الوطني انحرافا قاتلا، كان حادث سير ثوريا، جعل عبدالناصر نفسه يعلن سقوط دولة المخابرات، ويعترف بالمسؤولية عن الهزيمة.

بهاء الفيلم في صلاحيته لقراءة أي انتكاسات تعقب الثورات، حين يخشى المنتصر -ولو أعلن شعار “الثورة مستمرة”- أن تعصف بفشله ثورة تالية مستحقة، فيسارع إلى اختلاق أعداء، وشيطنة المختلفين معه، واختلاقهم أحيانا.

يضعك “الكرنك” أمام اختبار قاس لآدميتك، فإذا تمكن جلاد من كسر روحك، وقايضك على إطلاق سراح مشروط بالتلصص على الناس، فهذه حرية مشروطة، عبودية مختارة.

وبعد الإفراج عن زينب وإسماعيل صارا غريبين، ضاع الكلام، سقط في شروخ أرواح منطفئة، وأول ما فكرا فيه: الهجرة. وفي لحظة منذورة للمتعة كانت العين كسيرة، والعجز بليغا، ما كان للمهزوم أن ينتصر في السرير.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر