الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

جماعة العدل والإحسان المغربية جسد إسلامي تائه بلا رأس

  • نظرا لفقدان العقلانية كأساس جوهري في التنظيمات الإسلامية بشتى أنواعها وألوانها، فإن العاهات المزمنة سريعا ما تظهر في بنيتها وسلوكها في أول اختبار تتعرض له. والأمر منسحب بدقة على جماعة العدل والإحسان المغربية التي شارفت على الاختفاء بمجرد وفاة مؤسسها عبد السلام ياسين، ما يدل على أنها مجرد ظاهرة مرتبطة بفرد، ناهيك عن عدم وضوح سلوكها السياسي ومنهجها في التعاطي مع المحيط العام في المغرب.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/12/18، العدد: 10131، ص(13)]

الجماعة التائهة

قبل ثلاث سنوات، عندما توفي مؤسس جماعة “العدل والإحسان” المغربية الشيخ عبدالسلام ياسين، وجد التنظيم نفسه أمام فراغ كبير بسبب غياب الرجل الذي التأم حوله الآلاف من الأشخاص، وشكل طيلة عقود المحور المركزي الذي كانت تلتف حوله عناصر التنظيم، الذي يعد أقوى التنظيمات الإسلامية بالمغرب وأكثرها امتلاكا لمشروع نظري وضعه مؤسسه، في العشرات من المؤلفات التي صب فيها أفكاره.

لقد كانت وفاة ياسين رزءا كبيرا للجماعة، لكونها تزامنت مع معطيات محلية وإقليمية صادفتها، جعلت من وفاته خسارة لجماعة بنت نفسها على الالتحام حول شيخها، وظلت مرتبطة به في علاقة تشبه تلك التي تربط المريد بشيخه. فعلى الرغم من أن ياسين لم يكن صوفيا بالمعنى الدارج اليوم في البلاد، من حيث شيوع الطقوس الشعبية والريع المالي والطابع التربوي السطحي، إلا أن جذوره الصوفية كمريد لشيخ زاوية في الماضي، وأدبياته التربوية الإصلاحية، جعلته في أعين الناس حالة قريبة من شيوخ الزوايا العتيقة، وإن كانت مشيخته نابعة من عطاءاته العلمية أكثر مما هي تابعة لنهج صوفي.

تزامن رحيل ياسين من الناحية الإقليمية مع التحولات التي شهدها العالم العربي على خلفية ما سمي بالربيع، وحصول تململ في صفوف الجماعات الإسلامية التي بدأت تشرئب بأعناقها إلى السلطة بعد عقود من المواجهة العلنية أو الصامتة مع الأنظمة الحاكمة. أما على الصعيد الوطني في المغرب فقد جاءت وفاته بعد أشهر من المصادقة على دستور جديد، وتشكيل حكومة يرأسها حزب إسلامي هو”العدالة والتنمية”، في سابقة أولى من نوعها في تاريخ الحكومات بالبلاد.

وفي الوقت الذي كانت الجماعة في حاجة إلى مؤسسها، الذي كان يتمتع بسلطة رمزية خاصة لم يحظ بها أي قائد سياسي منذ رحيل علال الفاسي في منتصف السبعينات، جاء رحيله بمثابة تنبيه على ضرورة تغيير استراتيجيتها لمسايرة المرحلة الجديدة، خاصة وأن غيابه قلص من شعبيتها الواسعة التي كانت تتمتع بها في عهده، لتجد نفسها أمام شعبية من نوع آخر في الصف الإسلامي، مثلها رئيس الحكومة عبدالإله بن كيران، أمين عام حزب العدالة والتنمية.

عاشت الجماعة في مناخ من المراوحة بين الرهان على العمل السياسي والمراهنة على التربية، ففكر مؤسسها كان يجمع بين الاثنين معا وإن كانت الغلبة لديه للتربية والإصلاح الروحي

هذا الارتباط القوي بين الشيخ ياسين والجماعة، بقدر ما كان مصدر إشعاع لها، بقدر ما شكل أيضا عاملا من عوامل إلجامها عن تطوير خطابها السياسي والدعوي من خلال فتح المجال أمام أصوات أخرى من داخلها، الأمر الذي ترتب عنه أن الجماعة تجد نفسها اليوم أمام تراث وحيد هو ما خلفه الشيخ المؤسس، بحيث بات عليها أن تعمل بعد رحيله على تنزيل تصوراته الفكرية والبرامج التي خطط لها.

عاشت الجماعة في مناخ من المراوحة بين الرهان على العمل السياسي والمراهنة على التربية، ففكر مؤسسها كان يجمع بين الاثنين معا وإن كانت الغلبة لديه للتربية والإصلاح الروحي. وعشية رحيله في ديسمبر 2012 جابهت الجماعة تحديا جديدا، وهو الاختيار بين السياسي والدعوي، وفي إشارة قوية إلى مختلف المراقبين في الداخل والخارج انتصر الاختيار الثاني، إذ سلمت قيادة الجماعة إلى رجل عرف عنه اهتمامه التربوي أكثر مما عرف عنه ميله إلى السياسة، وهو محمد العبادي.

وخلال الذكرى الثالثة لرحيل المؤسس، حرص العبادي يوم السبت الماضي على التذكير بالبعد التربوي للجماعة، لكنه وجد إلى ذلك مدخلا من باب التحولات الخطيرة التي يشهدها العالم العربي والإسلامي، جراء انتشار العنف باسم الدين وسيطرة التكفير وتوالد الجماعات المسلحة. فقد رد على خصوم الجماعة الذين يتهمونها بالغلو والتشدد، وقال إن جماعة بهذه المواصفات إذا وجدت يتعين إعلان الحرب عليها، داعيا أولئك الخصوم المفترضين إلى الالتحاق بجماعته من أجل محاربة جماعة بتلك المواصفات، واستغل تلك الإشارة للدعوة إلى تأسيس”خطاب إحساني قرآني ينأى عن الصراع”، ويكون بمثابة رد على آفة الإرهاب السائدة اليوم؛ كما حذر في الوقت ذاته من “العنف اللفظي” الذي يطبع العلاقات بين الأطراف السياسية في المغرب، محذرا من أن العنف المادي يبدأ من العنف اللفظي.

شكل ذلك رسالة إلى المسؤولين في الدولة مفادها أن جماعة العدل والإحسان ما تزال محافظة على النهج الذي أرساه مؤسسها، وهو نبذ العنف والتطرف والتشدد. فالواضح أن الجماعة تريد أن تجد موقعا لها في الساحة السياسية من زاوية هذا المنهج، وأن تقنع الجهات المسؤولة في البلاد بأهمية ما تقترحه في إطار المخطط الديني العام الذي تريد الدولة السير فيه لمواجهة التشدد الديني.

غير أن الطريق إلى الاندماج السياسي للجماعة لا يزال في ما يبدو، طويلا. ذلك أن خطابها السياسي لا يزال غير واضح بما فيه الكفاية للجهات الرسمية في البلاد، سواء من حيث الأهداف التي تنشدها، أو من حيث الأشكال التعبيرية التي تتوسل بها إليها. وعلى الرغم من أنها تلجأ أحيانا إلى التصعيد في مواجهة السلطات الحكومية، وتترك هامشا للتراجع قبل حصول الصدام، كما وقع خلال مرحلة الربيع العربي، حيث صعدت مواقفها وتحركاتها الميدانية تجاه الحكومة قبل أن تعلن الانسحاب بشكل مفاجئ من حركة 20 فبراير الاحتجاجية مبررة ذلك بالحذر من الصدام، إلا أنها تضع قدما مع الفرقاء السياسيين وقدما مع الشارع مما يثير شكوك الدولة في نواياها، الأمر الذي التقطه رئيس الحكومة عبدالإله بن كيران سابقا، حيث حذرها من التلاعب بالشارع واتهمها بالسعي إلى الفتنة. وتأسيسا على ذلك، فإن الخطاب الدعوي للجماعة، مهما كان هادئا ومعاديا للصدام، لا يمكن أن يشكل مطية إلى التسامح السياسي معها، بالنظر إلى المواقف السياسية التي تخرج بها بين الحين والآخر وتؤشر إلى رغبة الجماعة في التصعيد.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر