الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

تجفيف الينابيع بدلا من الأسف على الثمار الدامية

الدواعش ليسوا من سلالة العفاريت الزرق، هم حصاد قرون من فكر يعدهم بيوتوبيا دولة الخلافة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/12/22، العدد: 10135، ص(9)]

لا يوجد رصد لحجم أموال أنفقها العرب، دولا ومؤسسات دينية، لتحسين صورة الإسلام في الغرب، منذ هجمات 11 سبتمبر 2011، تلك التي يحلو لمن افتخروا بارتكابها أو تمنوا المشاركة فيها، أن يطلقوا عليها مصطلحا لا يخص زماننا “غزوة نيويورك”.

تدفقت الأموال والتصريحات في مشاهد مسرحية عبثية، ألّفها موظف بيروقراطي لئيم، أو مسؤول مذعور، ورصدت لإنتاجها ميزانيات وتولت شركات الدعاية الغربية تنفيذ شروط التعاقد، وبدأت الحملات وانتهت لكي يبدأ غيرها ولا ينتهي، مع افتعال تصفيق من جمهور افتراضي واستئجار طرف غربي للإشادة بجدوى “حملة” يصدق عليها قول الشاعر المصري نجيب سرور “ما جدوى أن نزرع في المرحاض خميلة؟”.

أقيمت عروض الدعاية العبثية على مسارح خالية من الجمهور، في إخراج متقن لسراب أهدرت فيه ميزانيات، واستفاد منه من استفاد، ثم جمعت المواد الإعلانية وردود الفعل المأجورة، في ملفات قشيبة، وأرسلت إلى ممولي الحملات، وعقدت ندوات لتقييم الحصاد في قاعات مكيفة، بعيدا عن ساحات لا تصلها صرخات مستضعفين، تعلقت أرواحهم بكلمة ينطقها قاض نائب عن الله، لتنسف جهود وهم اسمه “تحسين الصورة”؛ فجلْد إنسان أو سجنه، بسبب شبهة إلحاد، في مقال أو تغريدة أو قصيدة، كاف لإثبات قبح متفق عليه إنسانيا، لا تجمله دعاية.

هل يحتاج إنسان في الشرق أو الغرب إلى قراءة مقالات ومواد دعائية صحفية وتلفزيونية تهدف إلى “تحسين الصورة”؟

ستكفي هذا المواطن المحايد، غير الكاره للمسلمين، نظرة خاطفة إلى “الأصل”، ربما تسعفه صياغات لصوصية لمطلع قصيدة المتصوف اليمني عبدالرحيم بن أحمد البرعي “متى يستقيم الظل والعود أعوج؟ وهل ذهبٌ صرف يساويه بهرج؟”، فيلقي نظرة على خارطة العالميْن العربي والإسلامي، ويعجز عن معرفة من يحكم الصومال؟ وهل تبسط السلطة الفلسطينية نفوذها على غزة؟ وكم من مسلم بريء قُتل في القطاع بأيدي مسلمين؟ وباسم أي مذهب ديني تدمر مدارس ومساجد في اليمن؟ وكيف يتنافس كارهو الحياة على الفوز بالحور العين عبر جسر يصنعونه من أشلاء المصريين في سيناء؟ وكم من جماعة تدعي تمثيل الدين الخالص تُكَفّر الأخرى المتنافسة معها على التكفير؟ أما سلوك الدواعش فهو ثغرة بحجم الجرح تسمح بعبور الملايين من المسلمين إلى الإلحاد.

لا يوجد بأي منطقة في العالم هذا التفاوت الصارخ في الثروة والسلطة، بين كسالى يملكون ومن لا يجدون عملا أو يعملون بأجور لا تضمن لهم حياة آدمية.

بين حمقى يتوارثون السلطة ويمارسون الاستبداد بالتواطؤ مع رجال الدين، ومن تؤهلهم مواهبهم لمناصب عليا ولكن بلادهم تضيق بهم ويجدون في أرض الله سعة. لا تشهد منطقة بالعالم هذا القدر من رعناء يشغلهم تنصّر مسلم، ويجاهدون في سبيل “إسلام” مسيحي، ويتركون مسلمي بلادهم ضحايا فقر هو نفسه الكفر. سجل برنامج تلفزيوني خلو قرية في كينيا من مصحف، فرح الأهالي المسلمون بإهدائهم مصاحف. ولكن الفقهاء المشغولين بحصر ما ينتظر “المجاهد”، في الجنة من الحور العين، لا يعنيهم اعتراف عمر بن الخطاب بمسؤوليته عن الدابة لو تعثرت في العراق.

الملايين المهدورة في وهم تحسين صورة أصل قبيح، لا تصمد أمام مقطع فيديو من 125 ثانية، يوزع فيه الدواعش غنائم بشرية استلبوها في غير حرب. نحو 15 داعشيا يتسلحون بالرشاش وبالقناع، لضعف ثقتهم بأن الله يدافع عن الذين آمنوا. أحاطوا في إحدى المدارس برجال عزّل ونساء إيزيديات.

مشهد سينمائي يبدأ صامتا، فإذا قال المخرج “تكبير” هتفوا “الله أكبر”، فرحين بالفتح المبين وانقضوا على السبايا يتقاسمونهن. الوحيد غير المسلح كان ملثما وواجه الكاميرا من الطابق الأعلى، وهو يدلي راية “محمد رسول الله”، ويمكن قراءتها “الله رسول محمد”. مشهد يثير الخزي، ولو جرى معكوسا لمسلمات في عاصمة أوروبية لانتفض حكام مسلمون، يغذون تنظيم داعش بالأفكار والأموال والصمت، ليس حرصا على الإسلام وصونا لأعراض المسلمات، بل خوفا على عروش سيحرقها الثائرون.

الدواعش ليسوا من سلالة العفاريت، هم حصاد قرون من فكر يعدهم بيوتوبيا دولة الخلافة. يسيطرون على مساحة من الأرض، ويقيمون ما يشبه الدولة، ويبيعون للدول الإسلامية المجاورة ما يسطون عليه من آثار ونفط. من المستحيل، مثلا، أنهم يشربون النفط ليواصلوا العيش والحكم، ولكن دولا إسلامية تفيدهم وتستفيد منهم.

أما كلمة الفتاة الإيزيدية الناجية نادية مراد، في الدورة الثامنة لمجلس حقوق الإنسان المعني بقضايا الأقليات فتستدعي اعتذارا رسميا وشعبيا، بعد سرد جرائم ضد الإنسانية، تشمل القتل الجماعي، والنهم إلى الاستعباد الجنسي، والإبادة الجماعية. لا تريد الفتاة الناجية من قرية “كوجو” أكثر من “تحرير جميع مناطقنا، تحرير كوجو حتى يستطيع أهلها دفن موتاهم”. بيع الرجال وسبي النساء تراث أسود، أسوأ ما يمكن استنساخه “فقه” السلف، وتدريسه في الجامعات الإسلامية باعتباره ركنا من “الدين”. فقه ينتمي إلى عصره حين كان هذا جائزا قبل التطور البشري الذي حظر الرق، بعد قرون من تورط البشرية وممثلي الأديان في هذه الجريمة التي لم تكن جريمة.

في زمن “الإرهاب الوسطي”، وقد مثّله تنظيم القاعدة، وقبله التنظيمات الإرهابية في مصر. لم يكن الأمر يتعدى سرقة محال الذهب والسطو على البنوك، للإنفاق على “الجهاد” مع احتمال سقوط أبرياء، ولكن الدواعش بدأوا من الذروة، وقدموا أعلى تمثيلات ذلك الفقه في التعامل مع الآخر وقتله، واختلفوا في جواز أكل لحمه، واستندوا إلى وقائع حرق بعض القتلى.

ومن العبث إنكار هذا الحصاد الدامي دون تجريم الدعوة إليه، والتواطؤ معه بتباهي “الدعاة” به، وهم يجهلون أنه جريمة ضد الإنسانية، لا مدعاة للفخر كما روج لذلك السلفي المصري المهووس، أبو إسحق الحويني، وهو يروي، بإعجاب، كيف “اصطفى” خالد بن الوليد زوجة مالك بن نويرة بعد أن “أمر بقتله، وفصل رأسه، فسيدنا خالد عمل إجراء لإرهاب المرتدين، فأخذ الرأس بتاع خالد بن نويرة.. وولّع النار، وجَابْ قدر، وفيه لحم يستوي على النار دي.. ييجي لُهْ نَفَس يأكل من اللحمة دي؟ آ، ييجي له نفس... سيدنا خالد شخصيته قوية جدا، ونفسه حلوة.. النار قعدتْ قايدة في شعر مالك بن نويرة، لحد اللحمة ما استوت، وأكل سيدنا خالد”.

السلفي صفوت حجازي تباهى بوصية عمرو بن العاص لابنه عبدالله، إذ لامه لأنه لا يحسن القتل؛ “ما كان يعجبني قتالك، فعليك بهام الرؤوس، لا بجذور الرقاب. كن كأبيك”، ويعلق الداعية “اضرب افلق الرأس، أو اقطع الرأس نصين». الماركيز دي ساد لا يموت.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر