الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

صوتك

سحرٌ كأنه حلم أنامُ على وسادته غير آبهة بصباحٍ قد يطلّ أو ليل قد يطول.. سحرٌ تنعشني زقزقاتُ فجرهِ مثل عشب نديّ يشهرُ طفولته في عالم لا يكترث.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2015/12/23، العدد: 10136، ص(21)]

لن أقول أربكني فقط.. بل سـاُقرّ ملءَ دهشتي بأنه انتشلني من قاعِ ألمي لأطيرَ بعد مكوث طال..

صوتـُك.. ذلك الدفءُ الذي دثـّرَ كل حواسي في وحشةِ حزن قارس.. وعطّرَ بمسْكِهِ جفافَ الساعاتِ فملأها بألعابهِ النارية ومهرجاناتِ موسيقاه وكرنفالاتِ محبـّته..

سحرٌ كأنه حلم أنامُ على وسادته غير آبهة بصباحٍ قد يطلّ أو ليل قد يطول.. سحرٌ تنعشني زقزقاتُ فجرهِ مثل عشب نديّ يشهرُ طفولته في عالم لا يكترث..

ترتبكُ الحواسُ: فما أن تصبَّ نبرتـُك دفأها في اُذني حتى تنهالَ عليّ الصورُ والمشاهدُ لأرى كل شيء نابضا حيا أمامي.. تبتدئ الألوان صماء.. تتضح بعد برهة لتغدو لوحات تشكيلية تتنامى وتصبح تماثيلَ بأبعاد ثلاثة.. وما إن تتشكل حتى تنتابها الرعشة فتتمايل وتتراقص.. ثم تنداحُ السيناريوهات متلاحقة مثل أفلام تسجيلية لما ستجيء به الأيام بعد أن انفضتْ بكارةُ الصمتِ وتفتـّقَ السكونُ الراكدُ عن اضطرام وغليان وأمواج متلاطمة.. وما إن اُصدّق ما أرى حتى تتضافرَ الحواس.. أشمّ رائحة البحر وهي تفوح من بين نبراتك وتوقفات صمتك.. ويتسرّب عطرك ورائحة مسامك وهي تنضحُ لهفة والتياعا.. فأتنفس ملءَ رئتيّ عبقَ اقترابكَ ولهاثِ أنفاسك..

ألمحُ أصابعكَ وهي تمتدّ لتلامسَ ارتجافي.. فتربّتُ وتمسّـدُ.. وأهجسُ دفأها واُبوّةَ حنينها لأمدَّ أصابعي أنا الأخرى فاُشابكها بفرح طفولي وبتصديق عارم.. وأمضي لأسيرَ معك يدا بيد فوق شاطئ من ضحكات..

أصيخُ السمعَ.. إذ ينسابُ صوتكَ هادرا من بين شفتيك.. فتباغتني بقبل ناعمة تتقاطرُ مثل نثيثِ مطرٍ دفيء.. لا تلبثُ أن تتهافت لتهطل مدرارة تسابق نبضي وهو يتصاعد رغبة لا يشفيها إلا واقع من خيال جموح.. ويسيل العسل وقد تمازج بالنبيذ فأتذوق وأتلمض وأسكر..

كيف استنفر صوتك طيوري وحمائمي وأطلق خيلي للسماء رعودا وبريقَ ضوء يشقّ المدى ويزاوجُ البحار باليابسة والليالي بسطوع النهارات؟.. كيف استدلتْ حواسكَ على انتظاري فحللتَ دون موعد وكأن الأوان قد آن دون أن ندري؟..

هل هي جذوة خبل اشتعلتْ في رأسك فجأة فتذكرتَ كم فاتَ من أزمنة لم تتوحدْ فيه صاريتان ليرتفع شراع الحب الى أعلى سماء؟.. أم هو الوقت الذي دقَّ نواقيسه معلنا عن جدب ما حولك فرحتَ تتلفتُ تبحثُ عمن تمسحُ عنك الغبار الذي راكمه الابتعاد؟.. أم هو حبك الذي ظلّ قيد أضلعك مدثرا بالتقاليد والأقنعة وخشية البوحِ والخوف مما قد يكون؟

وكيف لم أفهم وأنا أبحث في طرقات الماضي وأزقة الضياع والغربة أنك كنت أنت وليس سواك من فاتني وجوده ليتوج توقي باكليل البهجة ورفيف أجنحة الانتصار؟

لم يعد يهمني كل ذلك.. جل ما يهمني الآن.. فقط.. هو صوتك!.. جسر العبور من ضفة الواقع إلى شاطئ الحلم.. شلال السطوع الذي تلألأ فجأة فغسل عتمة روحي وأعادني إليّ بعد تيه.. هطولك الذي أيقظ اللون والعافية واجتاز الحواجز وعبرَ الحدودَ واستباح الكلمات والقوافي وفجّر ينابيع الأغنيات وسمفونيات البوح وتمتمات التذكر والتغنـّي والقهقهات..

يتماهى صوتي بعطرِ صوتك.. فأسير مغناجة واُخاصر حروفك فأتراقص طربا وأعلو عن الأرض درجة فلا اُلامس الواقع إلا بأطراف أصابع حلمي.. وأكتب صوتك قصيدة بعد صمت طال..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر