الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

لكل داء دواء يستطب به

العقل العربي في أغلبه معتلّ، وهو يحتاج إلى معجزة حقيقية كي يبرأ من مشاكله التاريخية، ومن صدمته الحضارية، وحيرته الثقافية، وغربته الاجتماعية.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2015/12/23، العدد: 10136، ص(24)]

لو عاد إلينا الشاعر الذي قال منذ قرون خلت إن “لكل داء دواء يستطبّ به إلا الحماقة أعيت من يداويها” وعاش معنا بعض الأيام أو الأسابيع، لاتصل من تلقاء نفسه بالمذيع إياه في القناة إياها ليجري معه حوارا مطولا، ثم لظهر أمام الكاميرا، وهو أشعث أغبر، يصرخ من أعماقه، والدموع متحجرة في أحداقه، يقول إن ليس لكل داء دواء يستطب به مثلما كان يرى، وإن الحماقة ليست استثناء بين الأدواء، فهناك الجهل والغباء، والكراهية والعداء، والتآمر والطعن في ظهور الأشقاء، وهناك الكذب الذي لوّث الأجواء، وأصبح له قادة وزعماء، وإعلاميون وكتاب معروفون، ومحللون ومغرّدون ومدوّنون، وهناك الإشاعات التي يؤلفها الإخوان المتأسلمون ويتلقفها الساذجون والمغفّلون، وهناك النفاق الذي لم يعد خافيا عن العيون، وفتاوى الدعاة المتجذّرين في صناعة المتاجرة بالدين.

وهناك الخدع الحقوقية المرتبطة بالجمعيات والمنظمات الدولية التي ترتزق من التبعية للأجندات الخارجية لمحاربة المشاريع الوطنية، وهناك مجانين الربيع المزيّف الذين لا يعترفون بسيادة الأوطان ولا بخصوصيات الدولة والهوية، ولا يدخّرون جهدا في التلاعب بعواطف الجماهير الشعبية، يرفعون شعارات الحرية والديمقراطية، وهم لا يؤمنون إلا بالحسابات الحزبية والمصالح الشخصية بعد تغليفها بالشعارات الثورية، ولا يضيرهم أن يبثوا الفتن المذهبية

والطائفية أو الجهوية والقبلية، ولا أن يعطلوا حركة التنمية والبناء، ولا أن ينقطع الماء والكهرباء، فما يهمهم هو نصيبهم من الغنيمة، ولو على أكوام من الأشلاء.

وللأسف، مرت خمسة أعوام على عاصفة الخريف، ولا تزال بلاد العروبة تحت غيم كثيف، ولا يزال هناك من يلعب في الظلام، فيحركّ الألسنة والأقلام، ويجهّز المتفجرات والألغام، فيدعم الإرهاب من تحت الباب، ويساعد المتطرفين، ويستقطب الخونة والمنافقين، دون اهتمام بما ينتج عن ذلك من خراب ودمار، ولا ما قد يصيب الشقيق أو الجار، فاليوم تخلى البعض عن قيم العروبة الحضارية، وعن قيم الإسلام الأخلاقية، وبات إشعال الحريق والتحالف مع العدو ضد الشقيق من المسائل التي لا تشغل البال ولا تحتاج إلى طرح السؤال.

وهكذا فإن الحماقة التي أعيت من يداويها قبل سنوات، أضحى لها الكثير من المرادفات، وأصبحنا أمام العشرات من الأدواء التي لا ينفع معها الدواء، خصوصا بعد أن تبيّن أن أغلبنا يعاني من الخلل، وأن العقل العربي في أغلبه معتلّ، وهو يحتاج إلى معجزة حقيقية كي يبرأ من مشاكله التاريخية، ومن صدمته الحضارية، وحيرته الثقافية، وغربته الاجتماعية.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

:: اختيارات المحرر