السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

عبدالله بوصوف مغربي أندلسي الفكر لا يمكن تجاوزه

بوصوف يرى أن المشكلة الجوهرية التي تعيق الاندماج الحقيقي للمسلمين تكمن في ضعف تكوين الأئمة المسؤولين عن تسويق الخطاب الديني.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/12/27، العدد: 10138، ص(8)]

عبدالله بوصوف حالما بإسلام أوروبي جديد

الرباط - أول مرة تعرفت على الدكتور عبدالله بوصوف، قبل سنوات عدة. وجدته رجلا يحمل في حقيبته وصية واحدة يريد أن يكرس لها مساره الفكري والسياسي، وهي تصحيح صورة الإسلام والمسلمين في الغرب، وجعل المغرب في قلب الإسلام الأوروبي، من حيث كونه نموذجا قابلا للتصدير؛ لكن ليس كأي سلعة من السلع، بل كنوع من استعادة الدور التاريخي الذي لعبه هذا البلد كجسر تواصل بين ضفتي المتوسط خلال مرحلة الازدهار الأندلسي.

القرب من الحرائق

لا شك أن الكثير من ثراء الأندلس انتقل برمته إلى المغرب بعد سقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين، فتمكن المغرب من أن يشكل استمرارا للتسامح الذي ساد الأندلس طيلة القرون الثمانية التي عاش المسلمون خلالها في هذا الجزء من أوروبا، عبر استيعاب المسلمين واليهود المهجّرين والإبقاء على نفس التعايش الذي عاشوا في ظله.

يتوفر بوصوف، للنهوض بهذا الدور، على مؤهلات قلما اجتمعت في سواه. فهو يتوكأ على خبرة علمية مكنته من الاطّلاع على تاريخ الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط؛ إذ كانت أطروحته لنيل درجة الدكتوراه في التاريخ بجامعة ستراسبورغ حول الحوض المتوسطي خلال القرن الثالث عشر؛ وهي المرحلة الأكثر ثراء في تاريخ هذا الشطر من العالم التي كانت الأندلس أثناءها في أوج عطائها، وكان المغرب بلدا رياديا على خط التماس مع أوروبا المسيحية، حتى استحق البلدان ـ الأندلس والمغرب ـ أن يجتمعا معا في عبارة واحدة هي “العدوتان”.

كما أنه يتوفر على خبرة عملية راكمها خلال سنوات تواجده الطويل في أوروبا، فقد شغل منصب رئيس جمعية مسجد ستراسبورغ بفرنسا، بل إن الفضل في بناء هذا المسجد ـ الذي كان الأول من نوعه في المنطقة ـ يرجع إليه، إذ صارع طويلا من أجل إقناع البرلمان الأوروبي بالتصويت على هذا المشروع في نوفمبر من عام 1996؛ وفي عام 2003 انتخب نائبا لرئيس “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية”، وبعد ذلك بثلاث سنوات سوف يلتحق ببلجيكا لكي يشغل منصب مدير المركز الأوروبي ـ الإسلامي للثقافة والحوار.

عبدالله بوصوف يتسلح، للنهوض بدروه الذي يسعى إليه بمؤهلات قلما اجتمعت في سواه. فهو يتوكأ على خبرة علمية مكنته من الاطلاع على تاريخ الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط؛ وكانت أطروحته لنيل درجة الدكتوراه في التاريخ بجامعة ستراسبورغ حول الحوض المتوسطي خلال القرن الثالث عشر

هذه الخلفية العلمية والعملية جعلت من عبدالله بوصوف أحد أهم المفاتيح في تفكيك لغز التطرف الديني وتشابكاته المعقدة في أوروبا، وتداخل السياسي والاجتماعي والثقافي في صنع الظاهرة وتغذيتها، بحيث يمكن اعتباره اليوم ـ في ظل ما تشهده أوروبا من حرائق ـ الرجل “الذي لا يمكن تجاوزه”. فعندما أصبحت قضية الهجرة وموضوع الإسلام الأوروبي محل سجال في بداية الألفية بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 والتفجيرات التي تلتها في مدريد ولندن ومواقع أخرى، قرر المغرب أن ينشئ مجلسا خاصا لجاليته المقيمة بالخارج عام 2007، فكان بوصوف الرجل الأنسب لشغل منصب الأمين العام للمجلس، بعد أن تمت المناداة عليه من أعلى سلطة في الدولة لتقلد هذه المهمة الصعبة. ومنذ ذلك الوقت، والرجل لا يكفّ عن التحذير ودق ناقوس الخطر من المزالق التي يعيشها الإسلام في أوروبا بشكل عام، والنموذج الديني المغربي بشكل خاص، ويحاول ترميم الصورة التي تضررت خلال العقود الماضية، من دون أن يسعى وراء الأضواء.

ولعل المصادفات وحدها جعلت منفذي تفجيرات باريس الأخيرة من المهاجرين المغاربة الذين ولدوا وعاشوا في بلجيكا، وهما الدولتان اللتان عاش بهما بوصوف ردحا من الزمن عرف خلاله الخرائط المتقلبة للتطرف، سواء منه الديني أو الاجتماعي المرتبط بأزمة الهوية والانتماء، عبر تجاربه المتعددة في البلدين. ومنذ حصول تلك الأحداث الدموية والرجل تحت الأضواء، لا يكف عن الركض في كل مكان من أوروبا، شارحا ومحللا ومستمعا لمشكلات المسلمين، قبل أن يعود إلى مكتبه لكي يعد العدة للمهمة المقبلة.

بيد أن المهمة ليست هينة على الإطلاق. فقد عاش الإسلام في أوروبا وأميركا تحولات كبرى طيلة العقود الماضية، وأثّرت التجاذبات السياسية على واقع المسلمين هنالك، بحيث تعرض هؤلاء لصراع النماذج الدينية المتضاربة أحيانا، بما ساعد على التمزيق أكثر مما أعان على توحيد الرؤية في مجتمعات مختلفة دينيا وثقافيا واجتماعيا؛ وما زاد الطين بلة حالة الاستقطاب الخطيرة التي عاشها المسلمون في المجتمعات الأوروبية، وواقع التداخل الذي حصل بين الدين وبين الأيديولوجيا، سواء منها الشيعية أو السلفية أو غيرهما، وهو ما يجعل مهمة عبدالله بوصوف شبيهة بمن يمشي على البيض، أو في غابة من المسامير.

بوصوف يساهم في إبرام المغرب معاهدات دولية مع بلدان العالم لتوثيق الاندماج الثقافي والحضاري

الإسلام والتكيف

يجمع عبدالله بوصوف بين المؤرخ ورجل السياسة والمراقب الميداني؛ فهو يرى أن الإسلام لم يطرح نفسه أبدا كمشكلة بالنسبة للأوروبيين والغربيين في الماضي، والأكثر من ذلك أن الأندلس في منظوره لم تكن سوى بقعة من أوروبا، ليس فقط جغرافيا، بل الأهم ثقافيا ودينيا، ومع ذلك استطاع المسلمون أن يقيموا صرحا حضاريا في ذلك المكان وأن يقدموا نموذجا للتعايش مع الآخر؛ وعندما جاء عصر التطرف في القرون الماضية لم يكن تطرفا إسلاميا، بل كان تطرفا مسيحيا.

وانطلاقا من هذا النموذج التاريخي ينادي بوصوف بالتجربة الأندلسية كمثال واجب التأسي به اليوم من لدن المسلمين المقيمين في الديار الأوروبية، فأن تعيش مع الآخر في موطنه معناه أنه يقبل بك، لكن الواجب الديني يقتضي منك القبول به، لأن الأديان ـ كما الحضارات ـ تنبني على التبادل، أو التعارف بالمصطلح القرآني.

وبوصفه مسؤولا مباشرا في الشأن الديني في أوروبا طيلة أزيد من عقدين من الزمن، يؤمن بوصوف بأن المشكلة ليست في الدين الإسلامي لدى المهاجرين، بل في أشكال التدين، بسبب العلاقة المعقدة بين الثقافة الأوروبية والمفاهيم الدينية لدى المهاجرين المسلمين، الذين يجدون صعوبة في التكيف، بالنظر إلى غياب القنوات الطبيعية التي من شأنها أن تساعد على بلورة تصور مشترك بين هذين الرافدين، الرافد الأوروبي والرافد الإسلامي. وهو ينطلق من رؤية عصرية للفقه الإسلامي، تريد أن تضع الفقه في قلب الواقع الأوروبي لا أن تضع الواقع الأوروبي في قلب الفقه، بما يؤدي إلى حصول حالة من الجفاء والكراهية بين المسلم وواقعه الجديد.

تفكيك لغز التطرف الديني وتشابكاته المعقدة في أوروبا، وتداخل السياسي والاجتماعي والثقافي في صنع الظاهرة وتغذيتها، يجعل من عبدالله بوصوف، في ظل ما تشهده أوروبا من حرائق، الرجل "الذي لا يمكن تجاوزه"

ولذلك، فإن بوصوف لا يتوانى عن انتقاد بعض الفقهاء الذين لا يعرفون الواقع الأوروبي ولم يخالطوه، ويتجرّؤون على خوض مغامرة الإفتاء في الأوساط المسلمة في أوروبا والغرب، والتنظير في مجال فقه الأقليات؛ لذلك يدعو بشكل مباشر ودون لفّ أو دوران إلى صناعة نموذج فقهي نابع من داخل الواقع الأوروبي نفسه، وليس من خارجه، لأنه لا يمكن إسقاط فقه ولد في مجتمع مسلم على واقع مختلف، كما لا يمكن ضمان التعايش مع الآخرين في ظل إعادة إنتاج فقه يحرّض على الكراهية والعداء تجاه غير المسلمين، ويجعل من المسلمين دائما غرباء يحيط بهم الخصوم.

وفي معرض تشريحه لواقع الإسلام في الغرب يرى بوصوف أن المشكلة الجوهرية التي تعيق الاندماج الحقيقي للمسلمين تكمن في ضعف تكوين الأئمة، المسؤولين المباشرين عن تسويق الخطاب الديني، وانعدام التواصل بينهم وبين الجاليات المسلمة المقيمة، وعدم أخذهم بنصيب من العلوم الإنسانية في التكوين. ويتمثل هذا الضعف بشكل خاص في عدم معرفة لغات البلد الذي يقيمون به، بحيث يصبح من الطبيعي أن يكون خطابهم الديني مقطوع الصلة بواقعهم، فمن لا يعرف لغة بلد كيف له أن يعرف تاريخه وثقافته؟

ويرتبط بهذا واقع المساجد في الغرب، وفي هذه النقطة بالذات يطالب بوصوف بأن تصبح هذه المساجد مؤسسات فعلية لتحقيق التعايش والعيش المشترك داخل المجتمع الواحد، بدل أن تكون قلاعا مغلقة تكرّس فكر الانعزال عن المحيط، وهذا لن يتم ـ يقول بوصوف ـ إلا إذا حصل الوعي بطبيعة المجتمعات الأوروبية الدينية والثقافية والاجتماعية من جهة، وإذا عملت النخب المسلمة في أوروبا، بالتعاون مع كافة الفاعلين الدينيين والسياسيين، على بلورة نموذج فكري إسلامي يأخذ بعين الاعتبار الأسس الثقافية والفكرية للمجتمع الأوروبي، من جهة ثانية.

راية العرب المسلمين في الأندلس يطوف بها الأسبان كل عام في احتفالات مهيبة

استراتيجية عمل

انطلاقا من تحليل أوضاع المسلمين في الغرب والتقاط الإشكاليات الأبرز، عمل بوصوف من داخل “مجلس الجالية المغربية بالخارج” على توقيع عدة اتفاقيات للشراكة مع مراكز ومؤسسات علمية بالبلدان الأوروبية، من أجل إعادة تكوين وتأطير الأئمة، بهدف جعل الإمام أقرب إلى واقعه الذي يعيش فيه، ومكتسبا للمهارات التي يتعيّن توفرها فيه من أجل صوغ خطابه الديني وفقا لما يناسب الظروف والمستجدات.

كما أجرى مجموعة من الأبحاث والدراسات الميدانية التي مكنت من معرفة النسيج الاجتماعي للمسلمين في أوروبا، وآليات العمل في الواقع الإسلامي، وطبيعة المؤسسات والهيئات العاملة والمؤثرة فيه؛ هذا علاوة على عقد عدد من المؤتمرات واللقاءات الدولية التي دعي إليها العديد من الباحثين المسلمين، عربا وغربيين، للتباحث حول القضايا التي تهم واقع الإسلام في الغرب، والدورات التكوينية لفائدة الأطر الدينية.

يعمل المجلس على بلورة تصور شامل حول استراتيجية العمل خلال المرحلة المقبلة، هدفها مصالحة الإسلام والغرب، وتأهيل المجال الديني في المحيط الغربي والأوروبي، بما يتيح للمسلمين معايشة واقعهم بعيدا عن لغة المفاصلة الفكرية والثقافية والدينية مع الآخر، وبما يمكّن من التوفيق بين مهمة الاندماج وبين مهمة الحفاظ على الهوية؛ وهو ما عمل المجلس على خوض مغامرته قبل أيام قليلة، عندما أقدم على تنظيم أول لقاء تشاوري موسع مع المسؤولين والفاعلين في الحقل الديني بأوروبا، بهدف الإنصات إليهم وإشراكهم في استراتيجيته الجديدة، التي تروم قلب المعادلة الدينية في المهجر لغير صالح المتزمتين.

ولا يبدو التحدي سهلا أمام استراتيجية مثل هذه؛ ذلك لأن عقودا من الشلل والغياب قد تركت أرضا خلاء ملأها المتشددون بخطابهم الذي يرتدي قبعة الوعظ، بينما ترقد تحت القبعة ثعابين أنضجت بشكل هادئ مخططها لتسميم الأجواء بين المسلمين والغرب. بيد أن بوصوف، الذي لا يفارقه تفاؤله، يتسلح بالأمل والعزيمة لحرث الأرض اليابسة وزراعتها من جديد.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر