السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

فن تشكيلي عربي في بيروت

بيروت عاصمة التجريب باحتضانها لأدنى التغيرات التي تحدث في أسلوب فنان دون آخر، وفنانوها المغامرون لبنانيون وسوريون وفلسطينيون وعراقيون.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/12/27، العدد: 10138، ص(16)]

من أعمال الفنان السوري نهاد الترك

كلما تشارف سنة على الانتهاء يعود النظر إلى بيروت، العاصمة العربية الذكية التي تمرست في تحولاتها المُقلقة على اجتراح عوالم موازية لها تعجّ بشتى أنواع النشاطات الفنية، خاصة التشكيلية منها. ويعتبر الكثيرون أن التشكيل الفني هو من أكثر الفنون مواجهة للمصاعب كونه فناً أقل شعبية، على الأقل في الوطن العربي، عن سائر الفنون كالسينما والمسرح والحفلات الغنائية والموسيقية. إلا أنه في بيروت لازال يكرس ذاته كالأقوى من حيث الحضور والتنوع.

بات الفن التشكيلي بمفهومه الواسع القادر على استيعاب مختلف أنواع التيارات وأهوائها الأكثر إشارة عما يحدث في العالم بشكل عام، والعالم العربي بشكل خاص وذلك لناحية التقنيات الجديدة المُستعملة في التعبير الفني أو لناحية المواضيع المطروحة في الأعمال الفنية، وأيضا لناحية اختلاف المستويات الفنية ما بين فنان وآخر مما يغني التجربة الفنية ككل لا يتجزأ ويسهم في إعطاء صورة شاملة للحركة الفنية العالمية في مدينة صغيرة جغرافياً وكبيرة “خيالياً”.

بيروت معيار زئبقي

اللافت بالنسبة إلى أيّ متابع للحركة التشكيلة في بيروت هو احتضانها لأدنى التغيرات التي تحدث في أسلوب فنان دون آخر، وذلك ليس بالضرورة من خلال توفر الصالات الفنية المُرحّبة بالتجارب الفنية فحسب بل من خلال سهولة لقاء الفنانين في مقهى ما أو حتى “الاصطدام” بأحدهم في الشارع ليخبرك أنه يشتغل على موضوع جديد، أو يستخدم أدوات لم يسبق له أن استخدمها من قبل.

فثمة فنانون، خاصة السوريين منهم، عكست أعمالهم الأخيرة عدم الخروج عن مآسي الأزمة السورية بل التطرق إليها من خلال رؤية مختلفة. نذكر من هؤلاء الفنان التشكيلي السوري- الفلسطيني أسامة دياب الذي بدت لوحاته في معرضه الأخير الذي يحمل عنوان “ما الذي جرى هنا” تعبق بالأمل الخجول والسلام المرجو وذلك بأسلوب مبتكر بعيد عن الغنائية المفرطة.

كما شهدت العاصمة على تحولات فنانين من الفن التشكيلي إلى الفن الرقمي أو التجهيز الفني ونذكر من هؤلاء الفنان السوري عبدالكريم مجدل بك الذي اشتهر بلوحاته التي تعتمد مزج “الميديا” ونقل التفاعل الحسي بين الألوان وجدران المدينة المطلية بدهان يتقشر أو يتصدع بفعل الرطوبة، ومرور الزمن، أو الرصاص وشظايا القنابل. انتقل الفنان خلال معرضه الأخير إلى الفن التجهيزي عبر تقديمه عملاً مميزاً تحت عنوان “ديمقراطية مؤجلة”.

شهد لبنان ولادة متاحف جديدة كمثل متحف الفنان التشكيلي العريق جميل ملاعب الذي أقامه في بلدته 'بيصور'. وقد عبر الفنان عن فرحه بهذا الإنجاز الذي طال العمل عليه لأكثر من أربع سنوات

كما شهدت العاصمة تجارب فنية أقل أهمية ولكنها ساهمت في بناء المشهد الفني العام. نذكر من الأعمال الفنية تلك التي قدمها المصور الضوئي السوري عمّار عبدربه الذي حاول أن يقارب الفن المفاهيمي من خلال صوره المُعدلة. ونذكر أيضا أعمال الفنانة الإيرانية سارة نيروبخش الغارقة في النمطية، وأعمال الفنان العراقي محمد الشمري التي لا تخلو هي أيضا من الرتابة وإعادة صياغة لبصريات فنانين آخرين ولكن بأسلوب ومضمون أقل أهمية.

دخان الحاضر والماضي

رصدت بيروت عدة “استعادات” شعورية لفنانين لبنانيين قد تقف الحروب الدائرة في المنطقة وراءها. كما يمكن أن تكون صداقتهم الناشئة مع غيرهم من الفنانين السوريين والعراقيين والفلسطينيين قد لعبت دوراً في إيقاظ ذاكرة الحروب اللبنانية في أنفسهم فظهرت إلى العلن من خلال أعمال فنية مؤثرة ونابضة بحُرقة الماضي غير البعيد.

نذكر من هؤلاء الفنانين اللبنانيين أسامة بعلبكي الذي تناولت لوحاته وحشة الغربة داخل الوطن، وألفريد طرزي الذي استنهض هامات الحرب اللبنانية عبر وضع آلات مُحركة لصوره المعروضة في علب زجاجية مبتكرة لا تخلو من جمالية عالية، ولكنها أشبه بصواعق مُتصلة بقنابل يدوية قابلة للانفجار في أيّ لحظة.

والفنان سعيد بعلبكي الذي لا يزال يحمل حقائب رحيله في لوحاته ويغادر وطنه لبنان كل مرة وكأنها المرة الأولى. كما قدم الفنان التشكيلي اللبناني محمد شرف مجموعة من الأعمال تتعقب أثر الطبيعة اللبنانية الهاربة من هول التلوث الصناعي والبشري على السواء، ونذكر أيضا الفنان رؤوف رفاعي و”درويشه” الذي يرمز من خلاله إلى الشعب اللبناني المسكين. وفاديا حداد التي تنضح لوحاتها باستحالة الحنين إلى مدينتها (بيروت) التي لم تعد تشبه ذاتها.

أما الفنان كريستيان كتافاغو فقدمته صالة “أجيال” من خلال أربعين عملاً نحاسياً يختصر أربعين عاماً من الحرب اللبنانية التي في رأيه لم تنته بعد. نذكر أيضا الفنانة أدليتا ستيفان وعوالمها مُتقشفة الألوان والمسكونة بمشاهد “الطواف” أو صور “المنترا” المنقوشة بالدم وبالتراب. ونذكر أيضاً الفنان بسام كيريللوس الذي أطلق على معرضه الأخير عنوان “العثور على الأمكنة” الذي يفتح المخيلة على قراءة لمدينة بيروت خلال الحرب وما بعدها فهندس أعشاش طائر الفينيق باستخدامه مادة البرونز والألمنيوم ومواد أخرى استقدمها من عالم الهندسة المدنية.

طيران: من أعمال اسامة دياب

الجرح المفتوح

إذا كان “طائر الفينيق” الخاص بالفنان اللبناني بسام كيريللوس قد خرج من أعشاشه المعدنية المنخورة بالرصاص، فطائر الفنان السوري نهاد الترك هو طائر النار المتحول الذي يقاوم هشاشته الورقية في اللوحات. نجده في لوحةٍ عصفوراً جائعاُ يفتح منقاره، وفي غيرها هو قطرة دم تنزلق بصمت، أو هو بقايا منديل حملتها الريح إلى جانب مالكه المُتجسد في اللوحة.

الجرح العربي المفتوح لم يزل “يتطهّر”، ويبدو أن ذلك سيستمر، على الأقل، حتى آخر يوم من السنة الحالية وفق البرامج الفنية المعُلن عنها. لم تهدأ مدينة بيروت في تقديمها المتتالي لاختلاف التجارب الشعورية وبالتالي التجارب الفنية، لذلك جاءت الأعمال الفنية مغايرة وفي أحيان جاءت متناقضة وكأنها تنتمي إلى أزمنة وهموم أخرى.

نذكر من الفنانين العرب الذين لازموا تطورات الجرح العربي بشكل عام والسوري بشكل خاص الفنان العراقي محمود شبر في تصويره الكابوسي لمدينته بغداد، والفنان السوري ياسر صافي في تصويره لشخوصه الطفولية الممتلئة بنور داخلي يُمكّنها من الطواف في عالم يختنق بالعتمة. نذكر أيضا الفنان الفلسطيني المُقيم في لبنان عبدالرحمن قحطاني الذي قدم عملاً تجهيزياً من الأسلاك الشائكة.

وضع الفنان أعماله الأخيرة تحت عنوان اقتبسه من نص للمخرج الفرنسي إريك رومير وهو “لين الدائرة، وحدّة الخط المستقيم”. فـ”الدائرة الليّنة” التي تكلم عنها المخرج كانت حاضرة في الخلفية الفكرية لأعمال الفنان إذ تحيل إلى لانهائية الخيبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وقابلية تلك الدائرة على التفكك والاضمحلال في آن واحد.

لم تقتصر الحركة الفنية على المعارض التي تقدم أعمالا جديدة لفنانين صاعدين أو مكرّسين، بل أُقيمت عدة معارض استعادية لأعمال فنانين تأسيسيين ألقوا بظلهم على الفن التشكيلي الحديث والمعاصر نذكر منهم الفنان التشكيلي اللبناني حليم جرداق، والفنانة والشاعرة هيلين خال.

قدمت بيروت معارض لفنانين أجانب ولكنهم لم يلقوا الاهتمام بقدر غيرهم من الفنانين العرب ربما لأن المواضيع التي تناولوها بعيدة بعض الشيء (أو كثيراً) عن مدار اهتمامهم وهي أقل “احتداما” من الأعمال الفنية الأخرى التي تنوع أصحابها ما بين سوريين ولبنانيين وعراقيين وفلسطينيين.

بيروت استضافت "معرض بيروت آرت فير" في دورته السادسة بمشاركة 1500 عمل فني لأكثر من 300 فنان وفنانة، أعمال موزعة على صالات لبنانية وعالمية

يصعب ذكر كل المعارض الفنية والقيّمة التي احتضنتها الساحة البيروتية خلال عام كامل وذلك ليس فقط لغزارتها بل لتداخلها مع بعضها البعض في أحيان كثيرة ليشكل هذا التداخل بدوره مناخا جديداً تتحضر في رحمه نصوص فنية أخرى بدأت ملامحها تتشكل منذ الآن.

متاحف ترى النور

شهد لبنان ولادة متاحف جديدة كمثل متحف الفنان التشكيلي العريق جميل ملاعب الذي أقامه في بلدته “بيصور”. وقد عبّر الفنان عن فرحه بهذا الإنجاز الذي طال العمل عليه لأكثر من أربع سنوات.

في هذا المتحف الذي شيّده الفنان على نفقته الخاصة سيجد الزائر حقبات فنية عدة من حياة الفنان الفنية الزاخرة بشتى التجارب الفنية وتعدّد أساليب العمل الفني من تشكيل، إلى النحت، والحفر على الخشب، والموزاييك، والطباعة، والرسومات بالفحم والغواش والأكريليك وغيرها.

عادة ما تقرأ كلمة “متحف” على أنها مرادف بصري لكلمة “أرشيف”، وذلك تماماً ما لا يعبر عنه متحف الفنان لأنه متحف حيوي في بنيانه كشخصية صاحبه، متحول في داخله على هوى تبدل المعروضات التي سيختار الفنان أن يعرضها تباعاً.

إلى جانب متحف الفنان ملاعب أعيد افتتاح متحف نقولا سرسق في بيروت بعد غياب امتد لأكثر من سبع سنوات. المتحف مُكرس للفنون الحديثة والمعاصرة استحدث فيه أوديتوريوم مخصص للعروض السينمائية والمحاضرات، كما صُمّمت مكتبة متخصّصة للأبحاث فيها كتب قيّمة وتضم أجهزة كومبيوتر مخصصة للزائرين.

وضم المتحف أقساما مجهزة بأفضل التقنيات لحفظ الأعمال الفنيّة وترميمها. كما شيّدت أربع طبقات تحت الأرض كل طبقة مخصصة لمهمات محددة. فضاء عرض للمجموعة الفنية الدائمة التي تضم أعمالا لفنانين مكرسين من أمثال إيفيت أشقر، جميل ملاعب، عمر الأنسي، حسين ماضي، عارف الريس وغيرهم من الفنانين. كما صُممت مساحة خاصة لاستضافة المعارض غير الدائمة.
من الأعمال الجديدة للفنان اللبناني ألفرد طرزي

افتتاح صالات فنية

دائماً، وبالرغم من التشنج الذي يعيشه لبنان، يحرص أهله على الإبقاء على روح الحياة الفنية فيه، مدفوعين بأمل دائم يكون في أحيان كثيرة غرائبيّا وفي أحيان أخرى مُبررا له. من بعض مظاهر الإصرار على الحياة نذكر افتتاح صالات فنية منها صالة باسم “مرفأ” لمؤسستها جمانة عسيلي التي تريد من هذه الصالة أن تكون ملتقى للفنانين المعاصرين ومساحة لتبادل الأفكار حول الفن والحياة. يُذكر أن الصالة مجهزة لاستقبال الفن المعاصر بكل ما يتطلب ذلك من مساحة واسعة وتجهيزات عصرية تلائم مختلف أنواع النشاطات الفنية المعاصرة من الفيديو أرت وعروضات ضوئية وفنون تجهيزية.

“أرت سبيس، الحمرا” هي أيضا صالة فنّية جديدة موقعها له أصداء عاطفية بالنسبة إلى اللبنانيين إذ تكمن في الدور السادس من بناية “عساف” الشهيرة التي تتصدر شارع الحمرا البيروتي.

تتألف من حيز فنيّ مؤلف من خمسة أقسام. القسم الأول هو الصالة الفنية المجهزة بتقنية عالية لعرض الأعمال مختلفة الأحجام من رسم ونحت. الثانية أصغر، لكنها لا تقل أهمية وهي مجهزة كليا لتستضيف عروض الفيديو آرت والتجهيز الفني والفن المفهومي. أما القسم الثالث من الصالة فهو عبارة عن غرفة كبيرة ومنيرة، هي المشغل الفني حيث تعطى دروس في الرسم للمهتمين. قسم من “آرت سبيس″ هو محترف للفنانة ليلي كبّة كعوش التي هي مؤسسة ومديرة الصالة.

بيروت أرت فير

استضافت بيروت “معرض بيروت آرت فير” في دورته السادسة بمشاركة 1500 عمل فني لأكثر من 300 فنان وفنانة، أعمال موزعة على صالات لبنانية وعالمية. يُذكر أنه للمرة الأولى سلط “بيروت آرت فير” الضوء على الفنون الرقمية بشكل كبير.

لن تغيب سنة، إلا وهي مُحمّلة بمعارض ومناسبات فنية متتالية تقيم التوازن ما بين الموت والحياة، مع ترجيح لكفة الحياة على الموت. لا غرابة في ذلك في بلد كلبنان ومدينة كبيروت تمرّست على ضربات الشقاء فخرجت من حبورها بعد كل دورة تدريب ميدانيّ على الأسى، مبتسمة، ومتفائلة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر