الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

صمت العالم وصرخة الفنان

بيروت قالت كلمتها هذه السنة التي مرت على خير وسلامة بالرغم من بعض المآسي التي يبدو أنها باتت من قوتنا اليومي، قالت بيروت: نعم للفوران وأجل للحكمة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2015/12/27، العدد: 10138، ص(11)]

إذا كانت نظرية وجود أزمنة متوازية هي نظرية علمية غير مؤكدة حتى الآن، فهي على الأقل نظرية محسومة الدلائل على ساحة التشكيل الفني اللبناني لسنة 2015. ففي حين زخرت السنة التي سبقتها بشتى المعارض الفنية التي تناولت أهم مواضيعها وبشكل كاسح الجرح العربي الحيّ بشكل عام والجرح السوري بشكل خاص لكونه الأكثر نزيفاً وهولا، ففي هذه السنة علت نبرة المعارض الفنية التي تنحو إلى خطاب الحكمة والتأمل المتروي لتوازي حضوراً تلك التي غلت في شرايينها آثار القتل المباشر.

لحظ جمهور الفن التشكيلي هدوء ما بعد العاصفة، إذا جاز التعبير، لأن العاصفة لم تهدأ في المنطقة العربية بعد ولكنّ مُعايشيها باتوا ربما أكثر خبرة وأكثر حكمة في التعاطي مع الأهوال والتعبير عنها تشكيلياً.

وهذه حالة عرفها معظم الدول التي عاشت الحروب. نذكر على سبيل المثال وبامتياز أعمال الفنان أسامة دياب الذي سمح لوردة شاحبة اللون أن تتصدر معظم أعماله الفنية التي عرضها في صالة أيام، لتسرد أخبار الحزن والألم المتواصل ولكن جنباً إلى جنب مع تمنيات عودة السلم والحب والأمل.

نذكر أيضاً أعمال الفنان العراقي صادق الفراجي الذي أحدث خرقاً وجوديا جماً في المشهد التشكيلي العام، حتى كاد يختصره بهدوئه التراجيدي، حين عرض فيديو قصيرا ومذهلا من تصميمه ورسمه وتوليفه إلى جانب رسومات استوحاها هي أيضا من رسالة كتبها له ابن أخيه “علي” عن قارب صغير يودّ أن يبحر فيه ليصل إليه، إلى حيث الفنان بعيداً عن الوطن. الرسالة مقتضبة وهادئة هي الأخرى وتحفر في النفس.

وهكذا جاءت أعمال الفنان تختصر البرودة الجليدية والصمت العالمي، لا بل التواطؤ الكوني حيال المآسي ولكن أيضا تعكس هدوء الحكمة في التعاطي معها دونما إفراط في الغنائية. يمكن تعميم هذه الظاهرة إذ أن حتى المعارض التي أقامتها صالات فنية تملك فروعاً خارج لبنان عكست هذه الظاهرة أيضاً.

إلى جانب هذا الهدوء الخاص، ربما هو الهدوء في عين العاصفة، الذي شوهد بشكل عام في المعارض التشكيلية لهذه السنة فثمة أمر آخر كثير الأهمية عرفته بيروت ولم تعرفه السنة السابقة، وهي على ما يبدو ستعرفه حتى في مطالع السنة الجديدة بحسب برامج المعارض التشكيلية المعلن عنها مسبقاً.

هذا “الأمر الآخر” هو تنظيم معارض تشكيلية لفنانين مُكرسين من أمثال الفنان حليم جرداق والفنان مارون حكيم و الفنان شوقي شمعون والفنانة أسماء الفيومي، والفنان جميل ملاعب الذي سيقيم معرضا ًفي بدايات السنة الجديدة.

لا يخفى على أحد وخاصة من المتعصبين ضد الفن المعاصر أن هكذا معارض من شأنها وبشكل مؤكد أن تُغني مخيلة وتجربة الفنانين الصاعدين وفي نفس الوقت تثير روح التجديد في أعمال الفنانين المخضرمين. يكفي أن تحضر افتتاحات بعض هذه المعارض لكي “لا ترى” التشنج والتباعد بين الأجيال بل لترى كيف تتوازى الأزمنة وتتفاعل في ما بينها. لعل أجمل ما تمكن رؤيته هو تلاقي التلامذة مع الأساتذة حيناً وتحاور كبار الفنانين مع من هم أقل خبرة ولكن لم يسبق أن احتكّوا بهم من قبل. لبنانيون وفلسطينيون وسوريون وعراقيون.. فهل من مشهد أبلغ؟

بيروت قالت كلمتها هذه السنة التي مرت على خير وسلامة بالرغم من بعض المآسي التي يبدو أنها باتت من قوتنا اليومي، قالت بيروت: نعم للفوران وأجل للحكمة. وليطمئنّ الماضي إذا كان قلبه رحباً وليفرح الحاضر فإنّ له ماضيا زاهياً وهو كامن وحاضر أمامه فليشخص مباشرة في عينيه.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر