الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الإمبريالية وحرب المصطلحات التركية

ليست القضية الصدق في وصف حقيقة التدخل الروسي في سوريا وإنما خلق بيئة الرفض الشعبي لموسكو في سوريا.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/12/29، العدد: 10140، ص(8)]

قد تكون من المرات القليلة التي يخرج مفهوم “الإمبريالية” من المدونة اليسارية الثورية ليزجّ به في الخطاب الرسميّ لدولة إقليمية كبرى مثل تركيا.

وحدها الأدبيات السياسية للقوميين واليساريين تزخر بمصطلح “الإمبريالية” الذي كثيرا ما يوظّف في نعت التمددّ الأميركي في المنطقة العربية أو عند وصف العلاقة العضوية القائمة بين أميركا والكيان الصهيوني من حيث أنّ الأخير يمثّل الفائض البشري الوظيفي للقوّة الأميركية بطريقة تعمل فيها تل أبيب كوكيل استراتيجي وسياسي وعسكريّ لتأمين المصالح الأميركية في مقابل أمن مجموعة المستوطنين في الشرق الأوسط.

وقد تكون آخر المؤلفات التي استخدمت مفهوم “الإمبريالية” في وصف التمدد الاستعماري الأميركي كانت أعمال الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل والمتمثلة في كتابه الإمبراطورية الأميركية والإغارة على العراق وبعدها غاب المصطلح بشكل شبه كلي إلا في شذرات قليلة من بيانات الجذريين من القوميين واليساريين العرب.

في المقابل تفادت حركات الإسلام السياسي هذا المفهوم المرجعي بسبب عدم استنبات المصطلح في المدونة الدينية أولا ولإصرارها على تجنب التصادم المعجميّ والسياسي مع واشنطن ثانيا والمحافظة بذلك على ديمومة العلاقات الثنائية حتّى في أحلك فترات الفتور والبرود المتبادل ثالثا.

اليوم يستخدم رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو مصطلحا من خارج المدوّنة السياسية والإعلامية لتيار الإسلام السياسي في العالم برمّته. وعلى اعتبار أنّ الخطابات السياسية لقادة الدول الإقليمية تعيّر “بميزان الذّهب” ففرضية السقطات اللسانية بعيدة كلّ البعد عن تفسير اعتماد هذا المصطلح، ذلك أنّ الفرضية الأرجح في هذا المستوى تكمن في إعلان تركيا الحرب السياسية والعسكرية غير المباشرة ضدّ روسيا والتي عادة ما تنطلق بحديث اللسان وتنتهي عند حديث الدبابات والمقاتلات.

تدرك أنقرة أنّ قيمة المصطلح المستحدث في الأدبيات التركية لا بدّ له من متقبّل يفكّ شفرته ويستقرئ مقاصده، متقبّل عاش طويلا ضمن “الإمبراطورية السوفياتية” السابقة ويرفض العودة في ظلّها ضمن الاتحاد الروسي القيصري الجديد.

بتقنية “الخطف من السياق الأصلي والإسقاط في السياق المرغوب” توظّف الماكينة الدعائية التركية مصطلح “الإمبريالية” لتحرّك الثلوج المعارضة والمتراكمة للتمدّد الروسي في أوكرانيا وجورجيا وروسيا البيضاء والقرم وحتّى في إقليم “الشيشان”.

يعمل الفاعل السياسي التركي على إحياء الرفض والتثوير ضدّ التوغّل الروسي الجديد في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق عبر استخدام ذات المصطلحات التي يعتمدها الكرملين في نعت التطويق الأميركي والأطلسيّ لحدود روسيا الجنوبية والغربية.

ولئن كانت أنقرة أقلّ من أن تدخل وحدها أو ضمن الأطلسي في حرب مباشرة في الحدائق الخلفية لروسيا بوتين مثلما فعلت الأخيرة مع تركيا في سوريا فإنّ أنقرة لا تتردّد في خلق أجواء المعارضة والتنديد بالوجود الروسيّ في أرض الاتحاد السوفييتي سابقا.

ومثلما لعب الفاعل السياسي والإعلامي التركي على المصطلحات المؤثرة في أنثروبولوجية الإنسان الجورجي والأوكراني فإنّ ذات الفاعل استخدم عبارة “حرب الإبادة الدينية” لنعت التدخل الروسي في اللاذقية.

هنا ليست القضية الصدق في وصف حقيقة التدخل الروسي في سوريا وإنما خلق بيئة الرفض الشعبي لموسكو في سوريا.

هكذا تكيّف أنقرة حرب مصطلحاتها وفق البيئة والأنسنة والوجدان وحسب صناعة المتقبل لمعنى المبنى الملقى إليه اعتمادا على نظرية المعرفة الجماعية والفرديّة.

بيد أنّ المفارقة في هذا المستوى والطامة الإعلامية الاتصالية التي وقع فيها الفاعل التركي كامنة في إمكانية سحب هذه العبارة ” أي الإمبريالية” على أحفاد الإمبراطورية العثمانية.

فتركيا سليلة إمبراطورية عثمانية قائمة على التوسّع الإمبريالي الدموي في أرمينيا وقبرص ولا تزال شواهد سياسة الأرض المحروقة جلية من جبال كردستان حتّى شمال أفريقيا. وكما مثلت الإمبريالية اللبنة الأساس للتاريخ العثماني فهي تشكّل اليوم الخيط الناظم لكافة السياسات التوسعيّة في سوريا والعراق وليبيا.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر