الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

إيران والجغرافيات العربية 'المنسية'

الخائفون من موطئ القدم الإيرانية، عليهم أن لا يلوموا دوائر اتخاذ القرار في تونس عند بحثهم عن بدائل للتقاعس العربي وعن مخرجات للأزمة الاقتصادية الخانقة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/01/03، العدد: 10143، ص(6)]

تتحالف إيران مع المشاريع القومية الفاشلة وتتحرّك ضمن الفضاءات المنسيّة وتجول ضمن ساحات النسيان والتناسي، الغياب والتغييب.

على أكثر من محور تجوب السياسة الخارجية الإيرانية العالم العربي والأفريقي مدركة أنّ التقوقع القطري من جهة والتشرذم السياسي من جهة أخرى وضعف أداء المنتظم العربي من جهة ثالثة يقدّم لها محركات دفع وتوسّع وتمدّد في الفضاءات العربية.

ليست إيران بالقوّة التي تمكنها من مدّ رقبتها أو إمداد أياديها إلى شمال أفريقيا عامة وتونس خاصة، بيد أنّ التجاهل العربي والإسلامي لتونس الثورة والتواطؤ العلني للأطراف الإقليمية في المشهدية السياسية التونسية لتحويل وجهة الانتفاضة لصاحب تيارات سياسية أيديولوجية شجّع القوى الإقليمية الغربية منها قبل حتّى إيران على الانخراط والتأثير في التوازنات السياسية والاقتصادية في البلاد.

تعامل النظام العربي بالكثير من الحذر المبالغ فيه مع الثورة التونسية وعوضا عن الانخراط الإيجابي في التعاون مع الواقع السياسي الجديد في البلاد اختارت معظم العواصم العربية الاستقالة والاستكانة ومراقبة تداعي الأوضاع في تونس التي أفضت في المحصلة إلى حالة من الانكشاف السياسي والأمني والدبلوماسي والاستراتيجي بمقتضاه بات الاقتصاد الوطني ومعه القرار والخيار مرتهنين لدى صناديق الاقتراض الدوليّة.

وفي وقت كانت فيه الزيارات المكوكية للمسؤولين الأوروبيين والأميركيين وحتّى الأتراك تتقاطر على تونس إبان السنوات الأولى للثورة كانت الخطوط الجوية العربية مع تونس شبه مجمّدة، صحيح أنّ الأداء السياسي لتونس إبان حكم الترويكا كان كارثيا حيث أفقدها جزءا معتبرا من الخزّان الاستراتيجي العربي وزجّ بالبلاد في محاور إقليمية ضمن رقعة شطرنج لعبة الأمم الدوليّة الأمر الذي بعث برسائل دبلوماسية خاطئة لعواصم اتخاذ القرار العربيّ، بيد أنّ حالة رسمية عربيّة من النأي والتغاضي والامتعاض تواصلت إلى مرحلة ما “بعد الترويكا” على الرغم من الأزمات الأمنية والعسكرية والاقتصادية الرهيبة التي ضربت تونس خلال 2015.

هل سنقدر على اختراق هذا البلد

منذ منتصف 2015 أبرقت إيران لتونس رسائلها الأولى للتوغل ضمن فضاء متروك عربيا ومتواطأ عليه من بعض العرب، كانت الزيارة الأولى لوزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في جوان الماضي أسابيع قليلة بعد التوقيع على الاتفاق النووي مع القوى الغربية الكبرى واليوم تسجّل طهران حضورها الرسمي ضمن القطاع السياحي برسم 10 آلاف سائح سنويا كان بالإمكان تسجيل عشرات أضعاف أضعافه عربيا لو كان لبعض العرب بعض العقل في ترتيب الأولويات وتقديم الاستحقاقات القومية والإسلاميّة.

في كلّ عاصمة من عواصم العالم العربي كانت إيران تتمدّد على أنقاض الغياب العربي واستقالة الفاعل القوميّ وهوان النظام المحليّ.

كان ولا يزال العراق عنوان استفحال للنفوذ الإيراني عقب إسقاط الحكومة الرسمية في بغداد وتفتيت مؤسسات الدولة على أنقاض الطائفية المقيتة التي فتحت لطهران بوابة عريضة للولوج والسيطرة على دوائر اتخاذ القرار العراقي الجديد على مرأى من الأميركي “المحتل” والنظام العربي “المختلّ”.

وقبله كان لبنان مسار تدافع وبسط للنفوذ الإيراني بعد أن ترك النظام الرسمي العربي لبنان لقمة سائغة للاقتتال “المحلي الإقليميّ” تارة وللاحتلال الإسرائيلي تارة ثانية والاستباحة الأميركية طورا ثالثا، وعلى وقع حروب “المذاهب والمتاعب” تأثث المشهد لولوج إيرانيّ مرة بالوكالة وأخرى بالأصالة.

أمّا اليوم، فتمثّل طهران، مع تركيا، واحدة من أكثر المستفيدين من الواقع السوري المرير ذلك أنّه بضعف السيادة وهوانها يتوسّع الدور الإيرانيّ ويكتسب وجوها عديدة تبدأ من الاقتصادي السياحي الديني ولا تنتهي عند العسكريّ الميدانيّ في ظلّ عجز عربي عن الحسم في الموضوع السوري وإنهاء الفاجعة الشامية.

كلّ هذه الشواهد حاضرة في الشرق الأوسط وكلّها حصلت أمام “عجز النظام الرسمي العربي عن ردّة الفعل والإنجاز.

كثيرون يتحدّثون في العالم العربي عن المشروع التركي كجدار صدّ للمشروع الإيراني، متناسين أنّ المشاريع القومية الكبرى تتقاسم الملاعب والثروات وأنّ الطائفيّة لا تفنيها طائفية أخرى بل على العكس إذ هي تعيش وتتمعّش في ظلّ صراع الإثنيات والهويّات القاتلة.

الخائفون من موطئ القدم الإيرانية، عليهم أن لا يلوموا دوائر اتخاذ القرار في تونس عند بحثهم عن بدائل للتقاعس العربي وعن مخرجات للأزمة الاقتصادية الخانقة، فإمّا أن يقوموا بواجب الجغرافيا والتاريخ على قاعدة المصالح المشتركة والانتفاع الجماعيّ وإمّا أن يكفّوا عن سياسة “الغياب والعتاب..”.

كاتب تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر