الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

كل عام وبطاقتي البريدية بخير

صار لنا في كل بلد بيت دافئ ينتظر قدومنا.. وفي كل أرض حبيب تجمعنا به رنة الهاتف مهما أبعدتنا المسافات أو ازداد بيننا فارق التوقيت.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/01/06، العدد: 10146، ص(21)]

قبـّلتهُ قـُبلة عاشقة.. وشكرتـُهُ من صميم امتناني لأنه معي.. لا يفارقني.. يسعفني ويمنحني بهجتي وارتياحي.. قبّـلتهُ ومضيت لأنام ملء جفوني مطمئنـّة الخاطر.. فهل خطر ببالي يوماً أن أقع في حبه؟

حبيب صغير بحجم بطاقة بريدية.. لكنه يملأ الكف ويدفئها حين تحتضنه.. حبيب يختصر العالم والأحبة ويقرّب البعيد ويوصل المقطوع.. يشابك الليل بالنهار والمواسم ببعضها.. ويجعلني بقلب الحدث مهما كان الحدث..

“ألو.. صباحك وردٌ إن كان صباحا ومساؤك مسكٌ إن كان قد حلّ المساء.. كلّ عام وأنت بعافية وحب.. كم الساعة عندكم الآن؟.. متى احتفلتم برأس السنة؟.. قبلنا أم بعدنا؟.. هل استمتعتم؟.. كيف كان الجو؟.. هل رأيت الصور التي بعثتها؟.. أما أنا فقد تفرّجت على التسجيل.. ما أبهى حضورك الذي زادني شوقاً!.. مَن تلك التي تجلس اليك؟.. يا إلهي.. كم كبرت وازدادت حلاوة!.. نعم سمعت بالخبر.. الحمد لله على سلامتكم…….”

ما الذي كنا سنفعله بلا حبيبي الصغير؟.. موبايلي! هذا الجهاز المحمول الذي يرافقني في الحل والترحال فيجمعني بأحبتي الذين تقاسموا الكرة الأرضية وتناثروا في الأصقاع..

تتشكى صديقتي وهي تعدّ خيباتها وافتقادها لأحبتها وتقول: “ياعيني.. صار كل واحد منا تحت نجمة!”.. فأجيب بخبث مبطّن وبتفاؤل لن يفارق صوتي ودقائق يومي: “لكن هذا يعني أنه صار لنا في كل بلد بيت دافئ ينتظر قدومنا.. وفي كل أرض حبيب تجمعنا به رنة الهاتف مهما أبعدتنا المسافات أو ازداد فارق التوقيت!”

لم يعد العالم قرية صغيرة بل لقد اختصر الوطن مساحاته وناسه بجهاز بحجم بطاقة بريدية استقبلتُ بها عامي الجديد بتهانٍ من العالم بأسره.. حتى لم يعد لضباب لندن تلك القدرة على حجب تواصلي مع أهلي وناسي.. فيا صديقتي.. لم يعد مفهوم الغربة يشبه نفسه قبل عقد أو عقدين.. لم تعد عوائق اللغة واختلاف الثقافات والعادات وطبيعة البشر والشعوب لتستطيع أن تحول دوننا ودون أهلنا.. ولم تعد رياح الحنين لتقوى على أن تعصف بأرواحنا فتقتلعنا وتكسرنا كما كانت تفعل بمن سبقنا في رحلة التغرّب.. فأوطاننا التي نحمل قيدَ أضلعنا وملءَ انفعالنا إن هي إلا على مسافة لمسة أو تمسيدةٍ من شاشة ملوّنة لم تعد باردة لفرط ما تحمله إلينا من صوت وصور ومشاعر!

صحيح أن للوطن أوجاعه وكوارثه.. لكننا في أقل القليل صرنا نعرفُ ما يدور فيه أولا بأوّل.. وصار بإمكاننا أن نـُطَمِئن ارتجافاتِ القلق أو أن نضع لها نهاية فنواجه واقعنا مهما بدا عصيا عاتيا.. صرنا بفضل بطاقاتنا البريدية الذكية نستطيع أن نعيش مع أهلنا ولو بمكالمة.. تجعل من نبراتنا وتنهّداتنا جسراً يربطنا بأعظم الأحداث وأدق التفاصيل.. صرنا نكاد أن نأكل معاً ونخرج معا ونقرأ ونغني ونضحك ونتنفس ونحب ونولد ونموت معاً..

عشرون ساعة فصلَتْ احتفالَ صديقتي في نيوزيلندة مع اُختها في الساحل الغربي لكندا.. صيفُ أوكلاند صافحَ ثلجَ فانكوفر بمكالمة.. ومع هذا كانت الاُختان سعيدتين بتبادل التهاني والأمنيات.. رغم أن أمنية مازالت تلح في البال منذ سنين.. هي أن تحلّق في سماء وطننا حمائم سلام بيض وملائكة يحرسون أهله وأحلامه.. وحينئذ.. ستكون لبطاقاتنا البريدية نكهة أخرى.. وستكون تهانينا لبعضنا ملأى بعشق الحياة..

كل عام والوطن بألف سلام..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

:: اختيارات المحرر