السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

تعويم القيمة

اليوم بعد تداعيات النكوص، وتعويم المعنى والقيمة والجدوى، لم يعد ثمة احتباس ولا اعتراف بالخرس، أو حتى برغبة تنويع الوسيلة، باتت اللغة شبيهة بالنفط، الذي يضخ بملايين البراميل.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/01/06، العدد: 10146، ص(15)]

في بعض رسائل الروائي عبدالرحمن منيف، للفنان التشكيلي السوري مروان قصاب باشي، التي نشرت بعد وفاته، بدا واضحا سعيه إلى تفسير توقه اللاعج لاستبدال أداة اللغة المستهلكة بأداة تعبيرية أخرى، وذلك خلال الحديث عن فقدان الكلمات لقدرتها على الدلالة، فاستعمل عبارة تعهُّر الكلمات، وكرر في غير ما مقطع مصطلح الخلق الذي خسرته اللغة، عندما باتت الألفاظ دونما فطرة ولا هيولى أصلية أثيلة.

كما استعمل تشبيه الإله عندما أراد إنفاذ قدرة مستعمل الطين واللون في تجسيد الصور، كان يحاول جاهدا أن يبرر التجاءه المؤقت، وغير الطموح للرسم الحسي، الذي سماه خربشات، بطغيان التعويم المعنوي للكتابة، في سوق القول والتواصل، وبخسارة الخطاب اللفظي لروح التشكيل. لقد نطقت رسائله بشهوة الانتحار، التي يقتضيها العطب الروحي في الاسترسال.

لكن الشيء الأكيد أن رسائل عبدالرحمن منيف، لم تكن بقصد تصفية الحساب مع اختيار جمالي، ولا رغبة في تبديد الثقة بالأدب واللغة والبلاغة.

حين توجهت لمروان قصاب باشي، الفنان العربي الحالم بتحويل البياض واللون والضوء والظلال إلى مفردات ومجازات، والمنصت دوما لأزمات صديقه الصموت في التعبير عن الاحتباسات اللعينة، في رسوماته البدائية غير الطامحة إلى الانتشار… بيد أن الرسائل استثارت بقصد -أو بغير قصد أيضا- قضية اللاجدوى، والغرق التام في العادي والأخرس، في السياق الذي تتجاوز فيه الوقائع اللغة والتعبير والدلالة. وفي الرسائل الجوابية لمروان المهووس برغبة الوصف، (وصف حسياته الخرساء) لم يكن ثمة احتباس ولا تلعثم، كان بليغا في اشتهاء البوح.

كتبت “رسائل الصداقة” بين الروائي والرسام، بعد حرب الخليج الثانية، وبداية تفكك حلم النهوض القومي، لحظة تأسيس مشروع “تعويم القيمة”، والاحتراب حول فائضها الملتبس، في ذات اللحظة التي بدأت المسافات تنأى بين إصدار وآخر عند أجيال بكاملها في الشعر والرواية والقصة والمسرح، لم يعلن أغلب كتّاب سنوات الجمر والرماد، في الستينات والسبعينات والثمانينات حتى عن رسائلهم إلى آخرين؛ تلك التي خطت حبرا على ورق، حيث باحوا -أو من المفترض أنهم باحوا- باليأس والاحتباس، وبالنهاية المأساوية للرسم بالكلمات، كانت الصحافة تنوب عن الجميع في قول المعنى العادي.

لكن اليوم بعد تداعيات النكوص، وتعويم المعنى والقيمة والجدوى، لم يعد ثمة احتباس ولا اعتراف بالخرس، أو حتى برغبة تنويع الوسيلة، باتت اللغة شبيهة بالنفط، الذي يضخ بملايين البراميل، في كل مرة يزيد العرض أضعافا مضاعفة عن الملايين الأصلية، وربما لأن عبدالرحمن منيف كان مهندسا للنفط، فقد حدس حال الإفلاس الحضاري الذي سيفضي إليه استنزاف الثروة الباطنية، أليس المعنى في النهاية ثروة باطنية؟

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر