الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الديمقراطية في العراق تلتهم الأبرياء

واقع العراق يؤكد اعتقال الفكر الإنساني وتحجيمه في العقل السياسي الطائفي، وهو مشروع ضيق الأفق يلغي، تماما، تطبيق القوانين الراعية للمواطنة وأيضا إلغاء القيم التي تشكل الدرع الواقي لحماية الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/01/07، العدد: 10147، ص(8)]

بعد أحداث 13 نوفمبر 2015 في باريس وأثناء مناقشة البرلمان الفرنسي لتمديد حالة الطوارئ، حذر رئيس الوزراء مانويل فالس من احتمال تعرض فرنسا لضربات كيميائية أو بيولوجية.

الخوف والحذر ساهما في الموافقة على التمديد لعدم منح فرصة لثغرة ندم مستقبلية، ربما تسبب حرجا سياسيا كبيرا لممثلي الشعب وأحزابهم مجتمعة.

العراق الذي يعيش أحلك فترات تاريخه ظلاما وبؤسا وانقساما على مختلف الأصعدة والأنشطة وتعبث به أوجه الإرهاب والعنف، وحالة التراجع هذه، حدثت تحت متغيرات نظام ديمقراطي وانتخابات تتفاخر بها الأحزاب الحاكمة ومن يمثلها، وبعيدا عن مآسي المدن المنكوبة والمحاصرة بالحروب من داخلها وخارجها، برزت على السطح مخاطر انهيار سد الموصل وسبق للخبراء أن حذروا من خلل في بنيته لطبيعة تربة الأرض في الموقع الذي شيّد عليه.

السفارة الأميركية في بغداد أصدرت بيانا في الأشهر الأولى من عام 2014 وصفت فيه السد بأخطر سد في العالم ونبّهت إلى مخاطر انهياره، كما بيّنت إعداد خطة لإجلاء رعاياها البالغ عددهم قرابة 30 ألفا من بغداد التي تفصلها عن السد مسافة 450 كم تقريبا.

المخاطر المضافة كانت استيلاء مقاتلي داعش على الموصل وتأثر السد بأضرار جراء المعارك واستعادة السيطرة عليه بعد شهرين من وقوعه تحت سيطرة التنظيم.

الجهات العراقية، الحكومية منها والبرلمانية، استمرت في نفيها لوجود أي مخاطر وأن خبراءها يؤكدون عدم صحة المخاوف وأن السد في حالة جيدة وأصدرت أرقاما تطمئن الناس، وهذا من الغرابة بمكان، عن تخفيض تخمينات البيان الأميركي عن ارتفاع موجة الفيضان الواصلة إلى بغداد في حالة انهيار السد.

التضارب في التصريحات وعدم مناقشة الأمر بجدية في البرلمان العراقي أو توفير المناخات المناسبة لاستيعاب ما يمكن أن ينتج من كارثة تطال أولا الموصل ثم غيرها من المدن بصدمة أخرى، سندفع ثمنها مجزرة أخرى بحق شعبنا.

الدولة الحاكمة، أو الحاكم، أو النظام مثل الكُتُب والكُتّاب يمكن أن ينتجوا لنا قتلة وربما عشاقا، محاربين من الطراز الأول أو ميليشيات منفلتة الغايات والتصرفات، أو جيوشا منظمة خبيرة بواجباتها العسكرية المناطة بها، لا تتعاطى إلا بأداء الواجب وبتجرد من كراهية أو رغبة في سفك الدماء، أو تنتج لنا الدولة الراعية، الحياة اللائقة الكريمة، كما الكتب والثقافات المتباينة التي بصمت عالمنا بالتنوّع وفرضت نوعية ونمط السلوك بالتصرف، فكان ما كان من أمرنا.

المفاجأة، بعد كل الإنكار لحالة السد، يأتي توقيع العقد المبرم مع شركة إيطالية لتدعيم البنى الأساسية، أعلن ذلك رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي شخصيا، وسبب الاهتمام بفوز الشركة المعنية بعروض الإحالة، يعود إلى كلفة العقد البالغة ملياري دولار والأهم هو إرسال 450 عسكريا لحماية السد والعاملين في مشروع التدعيم الذين سينضمّون إلى أفراد من قوة إيطالية موجودة أصلا في العراق مع مجموعة من القوات الأميركية للإبقاء على السد في قبضة خارجة عن داعش.

حكومة العراق وعدد من النواب استنكروا إرسال القوة الإيطالية وطالبوا بأن تكون الحماية من القوات العراقية، في الوقت الذي يعلم فيه الجميع أنه لا توجد قوات تابعة للدولة في تلك المناطق وأن إعادة السد تمت من قبل قوات كردية بمساعدة سلاح الجو الأميركي.

مصارحة الدولة الممثلة بحكومتها والبرلمان للشعب، أبسط مقومات الديمقراطية وتوقع الصعوبات والمشاركة فيها وإطلاع المواطنين بشفافية لما يحيق بهم من توقعات تمس صميم وجودهم وحياتهم، ضمانة لصلة وثقة، نتائجها في الدول الديمقراطية الراسخة تكون واضحة في صناديق الانتخابات ومشاريع وخطط وبرامج المرشحين، وما حصل من مقدمات في فرنسا بصعود أسهم اليمين المتطرف في الانتخابات المبكرة، أو ردود الأفعال حول نتائج الانتخابات الأسبانية لما حملته من تغيرات مهمة في آفاق استقرار الحكم السياسي أثاء الدورة القادمة والدخول النوعي الأول في الديمقراطية الأسبانية بعد اللجوء إلى تشكيل حكومة ائتلافية بين أكثر من حزبين أو الدعوة إلى انتخابات جديدة خلال فترة ثلاثة أشهر في حالة فشل التشكيل، والعبرة كامنة في حزب “قادرون” وزعيمه الشاب الذي نال مجموعة من المقاعد لكنه رفض الائتلاف مع الحزب الشعبي المحافظ الحاكم.

الأزمات، تهيّئ الأجواء لقوى مختلفة ينبغي لها أن تكون وليدا حقيقيا لتجربة فشل الأحزاب المتهالكة، والتي أثبتت فشلها في العراق لأنها لا تحتكم إلى بناء دولة المواطنة والتسامح ولا تمتلك القناعات أبدا لرؤية إنسانية شاملة لبناء المستقبل، إنما تعمل على تقويض بنية الدولة الناجحة واستثمار اندفاع المواطنين نحو انتماءاتهم المذهبية والدينية والقومية لضمان مكاسبهم السياسية وقاعدتهم الانتخابية الانفعالية، كما في حالة ارتفاع ضغط الدم المفاجئ بمقاييس كاذبة سرعان ما تتكّشف عن فشلها لدورة انتخابية قادمة.

ما دفع نواب فرنسا لتمديد حالة الطوارئ يمثل حالة ردع استباقية لما يمكن أن يحصل، وهو أيضا إجراء لمتابعة وتفتيش مجموعة قرارات وقراءة لكل صغيرة وكبيرة لدرء العنف وحماية المواطن الذي أعطى صوته ليضمن حقوقه.

نعلم جميعا ما حصل في الانتخابات العراقية بدورتها السابقة، وكيف تم إقصاء عدد كبير من أصوات الناخبين بحجة المناطق الساخنة والتهجير وصعوبة الوصول إلى المراكز الانتخابية، وهنا لا بد من التذكير أن بلدانا في أفريقيا وآسيا وحتى في دول أوروبية قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها أيضا، كانت فيها الانتخابات الديمقراطية عبارة عن إبادات منظمة، لأن موت أحدهم إنما هو ضياع لصوت انتخابي غير مطلوب من الأحزاب النافذة والمتسلطة، لأنهم ينظرون إلى الإنسان مجرد صوت يحمل لهم المفاجآت، فهكذا تطبيق يكون واقعيا جدا مع مستوى الهجرة والتهجير والموت المعلن وغير المعلن، متشابك الأهداف والنزعات.

التحذيرات ليست تخمينات في واقعنا، فمخاوف الضربات الكيميائية أو البيولوجية قائمة لأنها تجارب قريبة ومتكررة، وغض الطرف عنها “سذاجة استراتيجية” عواقبها خطيرة بالذات في العراق وسوريا وفي أي مكان آخر، لكن واقع الصراع الآن على الأرض وعنفه وما تقرره المعارك الدامية في المدن المنسحقة، كل ذلك بإمكانه أن يفرز ردات فعل غير محسوبة بدقة أو غير مهيأ لها.

التهيؤ والاستعداد مطلوبان لتقليل حجم الخسائر في الكوارث، طبيعية كانت أو نتيجة لنوع من الحروب الهمجية والعبثية ومداخلات القوى العسكرية بماكنة أسلحتها الفتاكة في منطقتنا.

واقع العراق يؤكد اعتقال الفكر الإنساني وتحجيمه في العقل السياسي الطائفي، وهو مشروع ضيق الأفق يلغي، تماما، تطبيق القوانين الراعية للمواطنة وأيضا إلغاء القيم التي تشكل الدرع الواقي لحماية الحياة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، ومن دونها تصبح التشريعات أو الدساتير مجرد أدوات مهملة أو فائضة عن الحاجة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر