السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

الفراغ صارخا: تبا للفن

من هو فعلا صاحب هذا الخطاب اللاعن الذي خطّه بعفوية على صفحته الفيسبوكية مرفقا إيّاه بصور لمجموعة من لوحاته الغبارية المؤثرة؟

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/01/07، العدد: 10147، ص(16)]

كتب الفنان التشكيلي والتجهيزي اللبناني شربل صامويل عون مؤخرا على صفحته الفيسبوكية “إنها فعلا مُعبرة… ومؤثرة… تحاول جاهدة بأسلوبها الخاص أن تتفادى تعاظما للأزمة.. ولكن.. لا شيء يحدث. ولكنها تستمر في الابتكار، والعطاء والتعبير… اللوحات عن النازحين المُنجزة بغبار الشوارع سنة 2013، هنيئا لكم ولنا. تبا للفن!”.

يقصد الفنان باللوحات المُنجزة بالغبار تلك التي قدمها مؤخرا في معرض ضخم في فرنسا من وحي مآسي النازحين عن أوطانهم بسبب الحروب. وهي بالنسبة إليه الأكثر تعبيرا عن اشمئزازه بما آلت إليه الأمور في المنطقة العربية وشعوره بالتخلي الذي يتماهى مع شعور الأكثرية الساحقة من الشعب العربي.

يعتبر الفنان من الذين تحولوا من الفن التشكيلي إلى الفن التجهيزي- المفاهيمي دون أن يكون في فعله هذا تبنيا -كشأن الكثيرين من الفنانين الشباب- لأساليب الفن المعاصر دونما اعتبار للمعنى المراد التعبير عنه.

ومع ذلك، من هو فعلا صاحب هذا الخطاب اللاعن الذي خطّه بعفوية على صفحته الفيسبوكية مرفقا إيّاه بصور لمجموعة من لوحاته الغبارية المؤثرة؟ هل اللوحات هي من أطلق اللعنة أم هو شخصيا؟

هناك حرقة ملتبسة أيضا، فاللعنة لم تُلق، بوضوح ساحر منقشع الرؤية، على طرف واحد دون الآخر. هل اللعنة هي موجهة إلى شخص الفنان، أو إلى الواقع الراهن؟ هل هي ملقاة على اللوحات أو الفن بشكل عام؟ ربما لا تستثنى من هذه اللعنة إلاّ هامات النازحين المنتصبة كرصد قدري تلقي بكاهلها على كل من هو على قيد الضمير الحيّ.

لا يغفل على أحد أن الكثيرين من النقاد وضعوا اللوحات العربية المعاصرة في خانتين. فهي إما في خانة اللطم والتعبير يستعمله الكثيرون مؤخرا في الوسط الفني للتعبير عن سخطهم من سوداوية تلك الأعمال، أو هي، أي الأعمال، فارغة ومزيفة تقدم للغرب ما يريد أن يراه لتكتسب الشهرة وتزيد من انتشارها.

مزاعم كبطولة الفراغ في لوحات الفنانين لا تزال في التداول بالرغم من تطور أعمالهم بشكل جليّ، وازدياد براعتهم في التعبير المغاير عن أفكار متشابهة لتشابه الأزمات في المنطقة.

حتى أن هذا الفراغ كان محظوظا في أكثر من مرة، حيث حدث تشريحه تشريحا دقيقا في المناسبات الثقافية. فوصف بأنه “فراغ الرؤية، وفراغ البصيرة” و”فراغ القلب” من مشاعر من المفترض أن يكنّها الفنان نحو المحيط الذي يعيش فيه أو الذي انطلق منه.

لا ينطبق ذلك التشريح الحثيث أبدا على أعمال الفنان شربل صامويل عون ولا على أغلب أعمال الفنانين المعاصرين الذين غاصوا في ذلك الفراغ. الفراغ الضاغط المصنّع للأزمات ولأثرها في الآن ذاته.

وما أثرها الجليّ إلاّ في اللوحات التي خلّصها مبتكروها من فكّ الفراغ، فجاءت فراغية لا يسكنها إلاّ صمت عميق، لا قرار له، يهوي إليه ليعود منه كل من اختبر الأزمات عن كثب. أما من تبقى فيبقى هناك… في عتمة الفراغ محاولا استيعاب ما حدث له.

نذكر من هؤلاء الفنانين الذين خلعت أعمالهم عن الفراغ ثقله وتجهمه ثمّ ألبسته صمتا وجوديا: الفنان عمران يونس، والفنان إسماعيل الرفاعي، والفنان صفوان دحّول، وطبعا، الفنان شربل صمويل عون، في أعماله التي أنجزها خلال السنوات الست الأخيرة.

جاءت كلمات الفنان شربل صامويل عون بالصدفة وبعفوية عالية النبرة لتختصر وتردّ على عموم التصنيفات المجحفة بحق اللوحات التشكيلية المعاصرة التي تستلهم الأزمات: تبّا للزمن القاتم.. تبّا لعدم تحسن الأحوال، تبّا للنقاد.. تبّا للوحات، وتبّا… للفن!

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر