الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

نظرية الطائر والمغدورون القدامى والجدد

كما تخلص الإخوان من القوميين سواء في المؤتمر القومي العربي وكما تخلصوا من حلفاء الترويكا، فلا يبدو أن مصير النداء الجديد سيكون بعيدا عن مصائر المغدورين من قبله.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/01/11، العدد: 10151، ص(8)]

باتت الحسابات السياسية والمصالح الحزبية في تونس هي المحرك الأساسي لفعل التحويرات الوزارية في تونس اليوم.

كثيرة هي القراءات السياسية التي سعت إلى الربط بين الترضيات من جهة، والتحوير الوزاري الأخير لرئيس الحكومة الحبيب الصيد من جهة ثانية، ولكنّ قليلة التحليلات التي أبرمت كينونة العلاقة العضويّة بين التغيير الحكومي والاستحقاقات الحزبية الداخلية لحزبي النهضة ونداء تونس متمثلة في مؤتمريهما الحاليين والقادمين.

ذلك أنّ إسناد الصيد الحقائب المهمّة للوجوه الندائيّة المعروفة بانحيازها لشقّ حافظ قائد السبسي، الأمر الذي رفّع من حصّة النداء من 7 إلى 10 حقائب وزاريّة، لهو دليل على أنّ العقل الذي يقف وراء هذا التغيير سعى إلى تأمين مناصب ومكاسب هذا الشقّ تحضيرا للمؤتمر التوافقي والمؤتمر الانتخابي في أبريل القادم، وبالتالي الاستعداد للاستحقاق البلدي المقبل باصطفاف ندائي واضح وراء خيار السبسي الصغير وقرار السبسي الكبير.

سياسة نزع فتيل الأزمات الداخلية قبل استحقاق المؤتمر الحزبي، انسحبت أيضا على حزب النهضة عبر التضحية بوزير الشؤون الدينية عثمان البطيخ، الذي مثّل بقاؤه على رأس الوزارة نقطة تباين وتنافر بين القيادة والقواعد النهضويّة، لا سيّما بعد استبعاده للوزير النهضوي السابق نور الدين الخادمي من الخطابة، ورفضه للتوظيف الديني في الشأن السياسي من قبل خطيب جامع اللخمي في محافظة صفاقس. هذا دون نسيان إقدام العقل المدبّر للتحوير الوزاريّ على إسناد حقائب جديدة لشخصيات تحظى بالتأييد والاقتراح من النهضة، على غرار وزير العدل ووزير المناجم والطاقة الجديدين.

وبغضّ النظر عن الأسماء فإنّ فلسفة التغيير الحكومي تقوم على تقوية الأحزاب الحاكمة الرئيسية، النهضة والنداء الجديد، في مقابل إضعاف الحكومة وضعضعة موقعها وتشتيت أدائها في وقت تشكو فيه تونس من الجغرافيا الحارقة في ليبيا وتشتكي من الإرهاب الزاحف من الجبال والأرياف نحو المدن.

تعيش تونس منذ ثلاث سنوات مرحلة توافق الشيخين، السبسي وراشد الغنوشي، وعلى ضوء هذا التعايش بنيت التحالفات النيابية وعلى ضوئه أيضا جاء التعديل الوزاريّ الذي أمّن للحزبين المذكورين أقصى قدر ممكن من الترضيات، لا من أجل ضمان استمرارية العمل الحكومي، وإنّما تأمين تواصل الحزبين والحيلولة دون مزيد انفراطهما على ضوء الانشقاق في النداء والتململ القاعدي في النهضة من سياسة “تقيّة” الحمائم المكشوفة من الجميع.

لذا، لم يجانب راشد الغنوشي الصواب حين اختزل تونس في طائر يطير بجناحين اثنين، في تمثيل للنداء الجديد والنهضة، غير أنّ الأصل كامن في أنّ جسم الطائر متجسد في الحزبين المذكورين والجناحين هما “القصبة” و”قرطاج”، فالسلطتان التنفيذيتان تعملان لصالح الأحزاب، وحسابات الحكم والدولة والسلطة في تونس تبدأ من مصالح النهضة والنداء وتنتهيان عندهما، وليس العكس والتحوير الوزاري الأخير قدّم أولويات الأحزاب على الدولة.

مع ذلك فإنّ العقل الإخواني لا يقبل إلا بالثنائيّات سواء كانت متحالفة أو متخالفة. ولا ينظر للمشهد إلا بمقاربة التضادّ وهو ما يحول دون إدراك لواقع تونس التي انعتقت من ربقة الاستبداد دون مشاركة النهضة والنداء، وسقطت في الدرك الأسفل من التداين الخارجي والفشل الداخلي والوهن الإقليمي بفعل الأخطاء الكارثية للنهضة والنداء. نظرية الطائر والجناحين استخدمها الغنوشي في يونيو 2012 عند افتتاحه للمؤتمر القومي العربي في تونس حيث أشار إلى أنّ الأمة العربية لا تطير إلا بجناحين، القوميون من جهة، والإسلاميون من جهة ثانية.

كما كان الحديث عن الثنائيات لدى النهضة هو المقدّمة لفعل الاستفراد والاستهداف، وكما تخلّص الإخوان من القوميين في المؤتمر القومي العربي، وكما تخلصوا من حلفاء الترويكا، فلا يبدو أن مصير النداء سيكون بعيدا عن مصائر المغدورين من قبله.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر