السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

صحافة تتفحّص وجوه اللاجئين

المعركة الإعلامية لم تهدأ بعد والصحافة التي ظلت تتفرّس في وجوه اللاجئين رسمت مزيدا من الصور النمطية ما زال عندها الكثير لتقوله دون أن تخرج من السجال بحصيلة واضحة.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/01/12، العدد: 10152، ص(18)]

حلّ العام الجديد على اللاجئين القادمين أفواجا خاصة من الجحيم السوري بمزيد من الأماني السعيدة التي حملتها لهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عندما اعتمدت سياسة الأبواب المفتوحة في التعامل مع قضيتهم، لكن تلك الليلة الاحتفالية الصاخبة في كولونيا قلبت الأمور رأسا على عقب، ومنذ أكثر من أسبوع ولا موضوع يعلو ولا يسبق موضوع تلك الثلة من اللاجئين المتهمين بالتحرش بالعشرات من النساء الألمانيات.

بدا المشهد متداخلا بين الحملات السابقة لتيار اليمين الشعبوي المتطرف (حركة بيغيدا) ضد اللاجئين خاصة وبين تيارات اليسار وجمعيات الدفاع عن اللاجئين، وتمثلت الإشكالية في ذلك المأزق الذي واجهته الصحافة في رسم الصورة النمطية للاجئ الذي لا يحترم قوانين البلد ويكرر ما كان يفعله في بلاده في ممارسة التحرّش والنشل مستغلا التجمعات الكثيفة، هذه واحدة من الخلاصات التي خرجت بها الصحافة الألمانية وهي متذبذبة بين التعميم على جميع اللاجئين وبين التركيز على تلك المجموعة المعتدية التي خرقت القانون.

“احرقوا اللاجئين .. دعوهم يغرقون في البحر” هذه شعارات أقصى اليمين الذي رسم تلك الصورة المشوهة وذهب أفراد منهم إلى القول عبر قناة يورو نيوز “إن هذه ليست ألمانيا التي نعرفها”، في المقابل ترسم قناة اي ار دي صورة مناقضة تماما، عبر تحقيقات موسعة ترد على دعوات اليمين المتطرف بأن العنصرية ليست هي الحل وإنما الدولة القوية هي التي تستوعب هؤلاء اللاجئين وتجعلهم يدركون حقيقة المجتمع الجديد القادمين إليه.

ما بين التحري والتفرّس في وجوه اللاجئين والبحث فيهم عن مشروع متحرش وبين ألمانيا في صورتها القوية القادرة على احتواء الظاهرة تبلور خطاب في الإعلام ظهر في افتتاحيات صحف شبيغل أونلاين وبيلد وفي صحف الولايات الألمانية يرسم صورة أكثر تشويشا عن تلك الحلول الافتراضية اللازمة التي أقلقت المجتمع وزادها الإعلام المحتقن تشويشا.

هنا يقف الإعلام ما بين الاستجابة للدواعي الإنسانية فيؤدي بالنتيجة الوظيفة الأخلاقية في تفادي التعميم، إحدى الصحف الصادرة في هانوفر أثبتت هذه الرؤية التي تقوم على خلط المفاهيم ابتداء من المنافسة السياسية إلى الجانب الإنساني البحت المتعلق باللاجئين لتخرج برأي مفاده أن الصورة النمطية للاجئ في الإعلام آن لها أن تتغير بعد كل تلك الحملات التي أعقبت واقعة التحرش.

في المقابل يتخذ الإعلام أيقونة مفاجئة، فنانة ألمانية عارية في وسط الساحة التي وقعت فيها الواقعة إعلانا عن أن المرأة لا تُمَس ثم لتتبعها تظاهرات نسائية واسعة عززت وسائل الإعلام من خلالها ثنائية اللاجئ غير المنضبط، في مقابل المرأة الغربية المتحررة مقترنة بالنظام الضامن للحرية الشخصية ولردع التعديات التي تمس المرأة وبخاصة ظواهر التحرش.

المعركة الإعلامية لم تهدأ بعد والصحافة التي ظلت تتفرّس في وجوه اللاجئين رسمت مزيدا من الصور النمطية ما زال عندها الكثير لتقوله دون أن تخرج من السجال بحصيلة واضحة، لأن الطبقة السياسية نفسها غارقة في هذه القصة وتسعى للخروج منها بأقل الخسائر.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر