الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

المثقف العامي والفلسفة

إن من يشكو من صعوبة القول الفلسفي في الثورات والتحوّلات ومشكلات المصير ليس سوى مثقف عاميّ وعاميّ جدا.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/01/12، العدد: 10152، ص(14)]

حين اخترت هذا العنوان “المثقف العاميّ والفلسفة” فإنما للإشارة إلى نمط من المثقفين الذين يبنون علاقة خارجية بالفلسفة ويظنون، وظنهم من النوع الآثم، بأنهم من جمهورها الخاص. وما استخدامي لصفة العامي إلا إشارة إلى ظنهم هذا.

فالعوام في الأغلب يخافون الفلسفة بسبب الترابط الذي يقيمونه بين الفلسفة والزندقة وما شابه الزندقة، ولكنهم لا يقدمون خطابا أبعد من ذلك. بل إن جزءا صغيرا من العوام يجعلها نوعا من المديح لشخص ذكي الخطاب. وليس هؤلاء الناس بموضوع نقاش حول موقفهم الناتج عن وعي من خارجهم وتصديقهم القول المتعلق بالفلسفة. لكن هناك نفرا من المثقفين المحسوبين على عالم الفكر سرعان ما تضيق خلقهم بالخطاب الفلسفي، ويريدون منه أن يكون على قدر وعيهم دون أن يكلفوا أنفسهم بتربية فلسفية أساسها المعرفة بالفلسفة.

وأول تهمة يوجّهونها إلى صاحب الخطاب الفلسفي هي: إن هذا الخطاب مغلق ومعقد ومكتوب بلغة غير مفهومة، فيلقون باللائمة، بسبب فقرهم الفلسفي وضيق وعيهم بها، على الخطاب وليس على مستوى معرفتهم.

ولتوضيح هذه المسألة لا بدّ من الإشارة إلى أمرين: الأول هو المعجم الفلسفي الخاص بالفلسفة بوصفها مبحثا يحتاج إلى تعلم، والثاني رؤية الفيلسوف لما لا يستطيع غيره أن يراه.

أما في ما يتعلق بالأمر الأول فإن للفلسفة بوصفها مبحثا معرفيا مفاهيمها الدالة، فكيف لمثقف أن يقرأ الخطاب الفلسفي دون أن يكون على دراية بالمفاهيم الفلسفية وبمقولاتها، ولهذا فإن هناك عددا كبيرا من معاجم الفلسفة وموسوعاتها. حسبنا أن نشير إلى أنه في العربية هناك عدد من المعاجم والموسوعات الفلسفية، ويستطيع القارئ العزيز أن يقوم بتنزيلها من النت. ومن فائدة هذه المعاجم والموسوعات للمثقف الذي يعتبر نفسه قريبا من الفلسفة أنها تزوده بدلالة المفهوم فلسفيا فيسهل عليه آنذاك فهم الخطاب الفلسفي.

فضلا عن ذلك فإن دلالة المفهوم الفلسفي ليست محصورة في المعجم الفلسفي، وإنما نجد دلالات متنوعة للمفهوم الواحد عند هذا الفيلسوف أو ذاك. ولهذا فإن قراءة البعض من أفكار الفلاسفة المؤثرين في تشكيل الوعي أمر ضروري لفهم الخطابات الفلسفية.

أما الأمر الثاني المتعلق بعين الفلسفة وما تكشف عنه من مشكلات، وهو الأهم، فإن المثقف العائش على سطح الواقع يظن أن خطاب الفيلسوف بعيد عن الواقع المعيش فيتكدّر خاطره من الكلام غير العادي عن مشكلة هو في الأصل لا يراها.

أردت من كل ما تقدم أن أصل إلى النتيجة الآتية: الفلسفة عُدّة مفهومية لاكتشاف المشكلة وامتلاكها نظريا عبر الكشف عن ماهيتها.

ومن هنا تبرز أهمية الفلسفة والفيلسوف في مرحلة التحوّلات الكبرى للتاريخ كما هو الحاصل الآن في أغلب بقاع البلاد العربية. وإن من يشكو من صعوبة القول الفلسفي في الثورات والتحوّلات ومشكلات المصير ليس سوى مثقف عاميّ وعاميّ جدا.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر