الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

سحر الكلام

ومثلما لكل سحر شرط يبطله فإن للحرف أيضا شروطا.. وللّغة وقع السحر بشروطه.. لكنها لن تكون سحرا إلا لمن تمكن من فهمها والإحساس بها والتعامل معها بدراية ودربة.. وأيضا بإبداع.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/01/13، العدد: 10153، ص(21)]

ما الذي يمكن أن نملكه إزاء كون شاسع من بشر وشجر وأرض وسماء أكثر من الكلمات.. ذلك الحبل السري لتواصلنا وحيواتنا المشتركة؟

في البدء كان الحرف.. وفي اللحظات الأخيرة للرحيل لا يبقى من بين آخر الأنفاس سوى الحرف.. نبتدئ به يومنا وننتهي به.. ببدائيتنا وتعودنا عليه وبإبداعنا وغوصنا في بحوره التي لا تحدها الحروف عددا.. ولا نهاية ترى لتشابك الأفكار فيها وعمق ما أتت وما تأتي به منذ أول الخليقة وحتى تلك الـ”حتى” التي يموت النحوي وفي نفسه شيء منها..

تتشابك الحروف وتمتزج لتخلق رموزها ومدلولاتها.. فتتشكل في لغة توّلد لغة داخل اللغة.. ويغدو المتعارف عليه عرفا.. والمجترح منه تجديدا وتطورا وتداخلا يفضي إلى المزيد المزيد في اطراد متلاحق قد لا تستوعبه الثواني وإيقاع الزمن الذي لا يفتأ أن يمضي قدما ويتجدد لحظة إثر لحظة ويوما بعد آخر..

ويبقى الحرف هو المُشغـّل الأول الذي يلي الفكرة والرغبة.. وهو الذي يطلقهما في سماء التواصل ليعبـّر عن مكنونات الإنسان الذي تميـّز عن كل الخلق باللسان.. ثم بالحرف..

آلاف السنين من الحضارات التي تناسلت واندثرت وبُنيت ودُمّرت والحرف فيها يُـثرى ويزدهر حتى ليصلنا ونحن في ألفيتنا الثالثة متنعمون برفاهيته وبذخه.. وأغلبنا غير آبه بكيف ولماذا ومنذ متى أو أين.. فالأهم حاصل وموجود ومبذول.. وليس علينا سوى أن ننهل منه وأن نستثمر وجوده وأن نعيش حياتنا متكئين عليه وعلى ما قدمته لنا البشرية من قبلنا فأوصلته إلينا بهذا الرخاء.. ومثلما لكل سحر شرط يبطله فإن للحرف أيضا شروطا.. وللغة وقع السحر بشروطه.. لكنها لن تكون سحرا إلا لمن تمكن من فهمها والإحساس بها والتعامل معها بدراية ودربة.. وأيضا بإبداع.. فلكل إنسان حرفه وبصمة لغته التي تشبه بصمة الإصبع التي لن تطابق في تفردها أقرب الناس إليه..

وبعد الشكل والملامح ونظرة العين والايماءة والحركة.. تأتي الكلمة لتكون من أول شبابيك التواصل التي تعكس المضمون وتكشف المستتر.. رغم كل ما يمكن أن يشوبها من تزويق وزينة وتجميل وتهذيب وتشذيب واعتياد واستهلاك وتكرار وتقليد.. لكنها في النهاية نافذة العقل والمشاعر التي تصافح الآخر وتعبّد الطريق الذي تمشي عليه أولى خطوات المعرفة والاكتشاف..

قالت العرب قديما “لسانك حصانك.. إن صنته صانك أو خنته خانك”.. فكيف لنا اليوم بكل هذر أو روعة اللغة من حولنا وبكل ما وصلت إليه عبر الأزمنة أن نطلق خيلنا لتجري في سباق المسافات الطويلة للعصر الحديث دون أن نحكم قبضتنا على لُجُمها فلا نخونها فتخوننا وتودي بنا إلى التهلكة؟ وكيف لنا أن نتعلم أن نخلق بها قبولا لا رفضا.. تعاطفا لا نفورا.. حبا لا حقدا.. ولاء لا عداء؟.. كيف لنا أن نسبق بها الفعل لتفوقه وتتفوق عليه.. فتبني وتترمم بدل أن تدمر وتفني؟.. كيف لنا أن نرعاها ونصونها فلا تفلت منا لتجرح أو تدمي وتميت؟

أفلا نستطيع بالكلمة أن نتفادى الحروب ونوقف نزف الكوارث؟.. أفلا نستطيع ولو تجمّلا أن نجعلها “طيبة” فتصير “صدقة” وبلسما يشفي ويزرع المحبة والسلام والأمل؟

صباحكم أحلى كلام..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر