الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

خواء الأحشاء

كتب التاريخ تذكرنا في كل مرة ببلدة مضايا وخواء الأحشاء والضمائر المحيطة بها قبل الملاحم والحكايات التي استلهمت مآسي الحصارات المتعاقبة لكل المحاربين.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/01/13، العدد: 10153، ص(15)]

حين عرض فيلم “الجوع” لعلي بدر خان في ثمانينات القرن الماضي، لم يكن العنوان مثيرا في حدّ ذاته، كانت بطولة الساحرة سعاد حسني، ونص نجيب محفوظ حاسمين في إغراء جمهور السينما بمشاهدة فيلم غير عادي؛ فالنهم الحسي مثّل في كثير من الأحيان، شأنا تقليديا متصلا بالمجاز، قد يدل فيه على الحرمان الجنسي أو الفقر أو البداوة أو حتى الجهل المقيم… أما خواء الأحشاء فكان بعدا مبتذلا، لا وقع له، وليس له حظ في الإثارة السينمائية أو الأدبية، كانت العبارة العامية المصرية القائلة “محدّش بيموت من الجوع” حكمة متغلغلة في الأفئدة والأذهان، وحجابا لتوحش مضمر ما لبث أن طفا على السطح.

وعندما تواترت صور الأبدان البشرية المغتالة تجويعا ببلدة مضايا السورية، تلك القرية المغمورة في منطقة الزبداني، التي لم يكن يعرفها أحد قبل الحصار الإجرامي للقوات الفاشية والميليشيات الطائفية، تخايلت إلى الأذهان فجأة ظلال قديمة لمجاعات وكوارث اعتقدنا لزمن طويل أنها من صنع الطبيعة التي لا نوايا سيئة لها، قبل أن نتيقن مجددا أن خواء الداخل الإنساني كفيل بخلق الأقسى مع تغوّل الإرادة، بما يجاوز التخييل.

طبعا أرّخت روايات عديدة للجوع الحقيقي والجهنمي ما قبل نجيب محفوظ، وكانت مشاهد أكل الجرذان والكلاب ولحوم الموتى من البشر، لا تنسى في نصوص الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحروب الأهلية في أسبانيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا… وربما كانت رواية الكاتب النرويجي كنوت همسون الحاملة لعنوان “الجوع” هي الأشهر في التعبير عن لوعات الجسد والروح لحظة الاصطدام مع العدم الداخلي الناجم عن خواء الأحشاء، لكن حتى في هاته الحالات الروائية ظلت شهوة سدّ الرمق قيمة غير متماهية مع الجريمة، استمرّ خلالها الجوع في الارتباط بقيم الصبر والشجاعة والمروءة… كان ثمة دوما شخص جائع يسدّ رمق من هو أكثر تغلغلا في الموت؛ لقد حافظت روايات النكبات الإنسانية على صبغتها المجازية التي تسعى إلى الارتقاء بالجوع الحسي في سلم المآزق العابرة التي تتسبب فيها الظروف.

وتذكرنا كتب التاريخ في كل مرة ببلدة مضايا، وخواء الأحشاء والضمائر المحيطة بها، قبل الملاحم والحكايات التي استلهمت مآسي الحصارات المتعاقبة لكل المحاربين خلف أسوار مدنهم المقاومة: من عكا إلى بيروت ومن غرناطة إلى بغداد ومن بيزنطة إلى لنينغراد، ففي كل مرة تتلاحق صور الحصار تمثل للذهن تفاصيل هياكل آدمية قضت من شدة الجوع، بنزعة غير طبيعية إلى التعذيب وتشويه الأجساد من قبل طغاة فارغي الأحشاء، ألم يكن الحاكم العربي القديم يأمر بإعدام خصومه صبرا، أي بنسيانهم في سجونهم دون طعام حتى تصعد الروح من الجسد العليل؟

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر