الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

تمارا السامرائي ترسم محظورات شيقة تمر في لمح البصر

  • عندما يُذكر اسم الفنانة الكويتية المقيمة في لبنان تمارا السامرائي أول ما يخطر على البال، هو منجزها التشكيلي الذي ضمنته سلسلة من اللوحات، جسدت فيها فتيات مراهقات نحيلات، ذوات وجوه شاحبة وجميلة وشفاه حمراء بلون الدم، يرتكبن عن سابق إصرار وتصميم شتى أنواع الشيطانيات الطفولية. لقد ألقت هذه الأعمال بظلالها الشاهقة على أحدث أعمال الفنانة في صالة مرفأ البيروتية، دون أن تسلبها قدرا من نضج التجربة الفنية، التي جاءت بناء على ذلك الاكتمال الحسيّ والمفهومي الذي اختصت به دون غيرها.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/01/14، العدد: 10154، ص(16)]

لوحات غير مكتملة لكنها مليئة بالرموز والإشارات

ليست الفنانة الكويتية المقيمة في لبنان تمارا السامرائي أول من رسم شقاوة الطفولة أو المراهقة، وليس ذلك فحسب ما جعل أعمالها غير قابلة للنسيان عند كل من سبق أن رآها.

المشاهد التي صورتها الفنانة في معارضها السابقة ليست مجرد بهلوانيات بسيطة ومعروفة من خلال كونها جزءا من عملية النضج الطبيعيـة، فالفنـانـة غيـر معنيـة البتـة بشـؤون التـربية وأطـرها التقليديـة القابضة على الروح في الكثير من الأحيان.

هي معنية بالغوص الخطر في المعالم المظلمة التي يرفض وجودها الآخرون، ويودون لو تكون مسكونة فقط بالورود والفراشات والحلوى الملونة، إذ هناك في باطن العالم السحري تنام وحوش أسطورية، وهي على قيد الاستيقاظ في أي لحظة من اللحظات، وحوش ليست بشريرة، ولكن ليست بخيرة في الآن ذاته.

الجرح بالمرصاد

بدت أعمال تمارا السامرائي السابقة أشبه بصفحات مزقتها من قصة عتيقة مكثت طويلا في صندوق مرصود. أما الرصد فهو جرح سريّ، وما سمح بتفشي أشكاله البصرية، هو الحس المرهف للفنانة وموهبتها الجلية وخبرتها في الرسم وانتقاء الصور الفوتوغرافية من طفولتها، ومن ثم توظيفها في عملها الفني المتنوع عبر تقنيات المزج والحذف والإضافة، متوسلة بتقنيات تقليدية وغير تقليدية.

هذا باختصار شديد ما قدمته الفنانة في أعمالها السابقة للمعرض الذي أقامته مؤخرا في صالة مرفأ البيروتية.

من الضروري ذكر بعض اللوحات التي عرضتها الفنانة سابقا بهدف استيعاب أعمالها الجديدة، التي يستحيل التقاط أطراف خيوطها المتشعبة بمعـزل عن تجاربها السابقة، لذا نذكر من تلك الأعمال اللوحة التي تصـور فتاة واقفة على ظهر حصان جامح وجديلتها منطلقة خلفها، وهي منشغلة بتسديد سهم من قوس إلى فتاة أخـرى منخرطـة وإيـاهـا في نفـس اللعبة.

وفي لوحة أخرى نجد فتاة ممددة على الطاولة تلعب دور الميت وهي تنظر إلى المشاهد بعينين فيهما تعبير مخيف، ولوحة أخرى تظهر فيها فتاة بقرب مصيدة فئران، إلخ. هذا هو عالم الفنانة تمارا السامرائي، إذا أمكن اختزاله في بضع كلمات.

مفتاح المعرض عنوانه الحب، وقد تخلى عن جميع أقنعته، فاتحا بذلك أبواب الرغبة الجامحة من دون قيد أو شرط

هذا العالم الغرائبي لم يغادر الفنانة في أعمالها الجديدة التي عرضتها مؤخرا تحت عنوان “دعني أبقَ لفترة أطول” أو “مدّ” وهو الترجمة التي قدمتها الصالة لعنوان المعرض. كلا العنوانين قادران على إدخال المُشاهد إلى أجواء الفنانة حيث يجرفه المدّ ولا يسترجعه الجزر إلاّ بفعل يقارب السلب.

سيعثر زائر المعرض على مجموعة من اللوحات التي وشت بحب الفنانة الدائم إلى الرسم غير المنجز وإلى استخدام اللون الأبيض، أو المساحة البيضاء كتظهير لحالة الفقدان والشك والشعور بالغربة.

عدد من اللوحات يظهر فيها شاطئ ليليّ وعلى رماله امرأة يحار الناظر إليها عمّا إذا كانت في لحظة وصولها إلى الشاطئ من عمق البحر، أم كانت مغادرة له، غير أن الانطباع الأهم الذي قد تتركه في عين المشاهد هو احتمال كون هذه المرأة موجودة على هذا الشاطئ منذ الأزل. موجودة على حدّ فاصل ما بين عالمين اثنين، يتلامسان دون أن يتداخلا، والأهم دون أن يتصالحا.

ثمة ترقب تدل عليه وضعية جسدها، وكذلك انتظار يقلق محياها بالرغم من غياب تفاصيل الوجه، ولعل ذلك يؤكد على نضج فني متقدم مكّن الفنانة من التعبير عن أعمق الخيالات والمشاعر ببضعة خطوط من اللون الأسود الذي لا يلبث أن يتلاشى عند أطرافه متحولا إلى اللون الرمادي، هذا الرمادي الضبابيّ، لا بـل الدخـانيّ المحبب لدى الفنانة.

أما ما يؤكد على احتمال وجود هذه المرأة من فترة غير محددة على الشاطئ هو استبدال الفنانة لهذه المرأة، في لوحات مجاورة، بغصن شجرة أحمر يأخذ في أكثر من لوحة شكل جنين لم يكتمل تكوينه.

لوحات تشي بحب الفنانة الدائم إلى الرسم غير المنجز وإلى استخدام اللون الأبيض، رمزا لحالة الفقدان

مد من دون جزر

أهمية هذه اللوحات أنها تفتح ذهن المشاهد على لوحات أخرى، تبدو وكأنها جاءت من بعد أو قبل التجربة الوجودية والحسية لمجاورة بحر صاخب وهادئ في الآن ذاته.

يتساءل المشاهد في مواجهة لوحاتها: هل غادرت “فتاة” تمارا السامرائي هذه اللوحات، لتحل مكانها امرأة ناضجة اختبرت الحب بكل فصوله؟ أم مازالت حاضرة في هذه الأعمال؟

من لوحة إلى أخرى سيعثر المشاهد على امرأة لم تغادر المراهقة تماما، بل أمعنت في الولوج إلى أعمق أعاصيرها واكتسابها لنواح أنثوية فيها الكثير من الحسية المعلنة والأيروسية التي لم تعد تبالي في الإفصاح عن ذاتها. دخلت عين مرسومة في معظم تلك الأعمال هي عين المشاهد أو عين الفنانة، ولعلها أيضا عين مشاركها الغامض في صياغة نصها الفني هذا.

في هذه الأعمال بالذات تعود أجـواء لوحات الفنـانة السابقـة، حيـث امتـزجـت الحيـاة مـع المـوت، والشـوق مع النفور، والانتظـار مـع التراخي، والجنـس مع الغـدر والخيانة والجـريمـة. وإذا كـان مفتـاح الأعمال السابقة للفنانة هو عالم الطفـولة المُلتبـس، فمفتـاح هـذا المعـرض هو الحـبّ وقـد تخلـى عـن جميـع أقنعتـه، فاتحـا بـذلك أبـواب الرغبة الجـامحة من دون قيـد أو شـرط.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر