الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

في التأنيث

موضوع الجنس هو العامل المعياري في تشكيل صورة المرأة أو تكوين دلالاتها الرمزية، سواء كان الفعل الجنسي هو انتهاك لها، أو سلوك ذاتي من قبلها.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/01/19، العدد: 10159، ص(15)]

كان لافتا في تجربة عدد كبير من شعراء العرب المعاصرين في النصف الأخير من القرن الماضي استخدام رمزية المرأة بكثافة دالة، دون أن يكون هذا التوظيف حاملا لدلالة رمزية ذات قيمة إيجابية خاصة، تعبر عن وعي مكتمل بالقيمة الوجودية والجمالية للمرأة بعيدا عن تأثير النسق الثقافي الذكوري، الذي ظل يجمع في نظرته إليها مزيجا من صفات المقدس والمدنس في آن معا.

لقد قامت هذه الثنائية على علاقة التقابل والتضاد، فكانت انعكاسا لمخيال ووعي ذكوري لم يستطع أن يتحرر من تأثيرات الثقافة التقليدية عليه، على الرغم من محاولته تمجيد المرأة، من خلال تلك الرمزية الكبيرة، التي جعلت منها صورة مسكونة بالمعنى الكبير للأرض والخصب وولادة الحياة. لذلك كان من الطبيعي أن تقترن هذه النظرة الإيجابية مع رمزيتها السلبية، التي أصبحت معها المرأة رمزا للعهر والاغتصاب، كما ظهر ذلك جليا في وسم المدينة بالمومس والبغي، والأرض المحتلة بالمغتصبة.

في هذه الصفات كان موضوع الجنس هو العامل المعياري في تشكيل صورة المرأة أو تكوين دلالاتها الرمزية، سواء كان الفعل الجنسي هو انتهاك لها، أو سلوك ذاتي من قبلها، وسواء كانت الوظيفة الجنسية بمعنى الإخصاب والولادة، أو العهر والاغتصاب، ما يجعل قيمة المرأة الوجودية والإنسانية تقترن بالجنس دوما، وتستمد بالتالي قيمتها سلبا أو إيجابا من خلاله، وفقا لمعايير الثقافة السائدة وزاوية الرؤية.

وهكذا تصبح هذه العلاقة الاستعارية، التي تقوم على محور استبدال يتمّ فيه استبدال صفات المكان بصفات المرأة، انعكاسا جليا لرؤية الثقافة إلى المرأة، في حين تقوم هذه الثقافة على مصادرة حرية المرأة، وقمعها على مستوى الحياة ومستوى الفكر في الآن نفسه.

إن هذه المفارقة التي انطوت عليها هذه الثنائية المتعارضة، في تجربة شعراء الحداثة، جاءت من كون أغلب شعراء هذه التجربة كانوا من ممثلي التيار الفكري والسيـاسي اليسـاري والليبـرالي، الذي كان يحمل مشروع الثورة والتغيير والحداثة في الواقع، بينما لم يكن قادرا على تحرير وعيه من تأثيرات الصورة النمطية القديمة للمرأة، باعتبارها رمزا للسقوط والعار.

ولكي لا نتهم شعراء الحداثة العرب والثقافة العربية، بهذا التحيز الذكوري، فإن صورة المرأة عند شعراء الحداثة في الغرب لم تكن أفضل حالا، كما هو الحال في تجربة الشاعر بودلير، التي تنطوي على هـذه الازدواجية والتنـاقض، نظـرا لتقـاطع هذه الثقافات على مستوى مركزيتها الذكورية السائدة، في حين استطاع الحب أن يسمو بهذه العـلاقة عنـد شعـراء آخرين، جعلوا مستقبل العالم يكمن في التأنيث.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر