الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

القراءة شأن سريري

القراءة سلوكا لازما لتشبثنا بالعيش في عالم تتكاثف فيه يوما بعد يوم دوافع الانتحار.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/01/20، العدد: 10160، ص(15)]

القراءة شأن سريري في الأصل، قبل أن تكون عملا، أو قاعدة لسلسلة من المهارات؛ تبديد لوحشة فضاءات يجتاحها البياض في كل جانب، من الجدران إلى الوزرات إلى المناشف، تلك التي تشبه ورق الكتب. لهذا اقترنت مسارات قرائية عديدة بأمراض مزمنة، حيث يضحي التأقلم مع العلّة تحديا يوازي الحياة ذاتها، فتتحول القراءة إلى عمل وحركة وسفر وارتقاء ودخول وخروج، يستبدل بها المريض عوالم العمل الواقعي والارتحال الحقيقي. وفي الغالب الأعم لا تعثر على عيادة جدية لا توفر لمرتاديها العشرات من المطبوعات، التي تمكنهم من احتمال فترات الانتظار مع ما يكتنفها من توتر وقلق، فالانهماك في تقليب صفحات المجلات والجرائد، وقراءة بعض ما تعج به من أخبار ومقالات كفيل بالتخفيف من غلواء الاستيهامات الكئيبة للمرضى المنتظرين.

والظاهر أن مرض دوستويفسكي بالصرع، وفان كوخ بالتوحّد، وبروست بالربو، ورولان بارث بالسّل… كان قدرا قرائيا في الآن ذاته الذي مثل فيه محنة جسدية كبرى، حيث بات السرير حالة وجودية ملتبسة، تنشأ فيه حياة بديلة للعليل بين عوالم الكلمات والورق والأغلفة الصقيلة والمجلدة والصور المطبوعة والمتخيلة، وسرعان ما تتحول القراءة إلى طقس علاجي، من شأنه إخماد التوتر، وجرّ الجسد إلى مرحلة البرزخ بين اليقظة والنوم، وهي لحظة مريحة وجابرة للضرر المؤقت والدائم؛ يسعى صاحب السقم المزمن جاهدا إلى أن يمتد بهدوء وسلاسة بعد نوبات الألم أو الاختناق أو الغيبوبة. ولعل صفة العلاج هنا أن تتخطى دلالتها المجازية المتصلة برياضة الروح إلى الوصفة الطبية الحقيقية التي ينصح بها المصابون بالأمراض المعقدة والتي لا شفاء منها.

في عيادة طبيب الأسنان تكون الصحف مهدئة ولا سيما تلك التي توصف بالمستقلة، كما أن المجلات النسائية تشغل الذات عن وخزات الأضراس المنخورة، بيد أن انتظار الدور أمام جهاز الأشعة السينية، للتأكد من انتشار أورام أو خلايا خبيثة، أو الكشف عن آثار جلطات على أطراف الجسد، لا تنفع معه الجرائد والمجلات، ثمة برودة وسكينة تجمدان الرغبة في التخفف اللحظي من الألم، يكاد الخوف الصاعق، فيها يولد إحساسا بالتحليق، أستحضر هنا يوميات وسير محمد خير الدين، وإدوارد سعيد، وهشام شرابي وشفيق الحوت وغيرهم وقد امتحنوا جميعا بالمرض العضال، كانت قراءاتهم في نصوص كبرى لهايدغر، وكيركجارد، وتولستوي وكافكا وابن عربي… وحدها تصرف الذهن عن الذوبان في الفراغ.

في كتاب للناقد والروائي الفرنسي شارل دانتزيغ عن “جدوى القراءة”، يمكن أن نحصي المئات من المبررات الجدية والعبثية، لفعل القراءة، بيد أن أهم عبارة قد تستوقفنا في هذا الكتاب بالغ الطرافة، هي تلك التي يعتبر فيها القراءة سلوكا لازما لتشبثنا بالعيش في عالم تتكاثف فيه يوما بعد يوم دوافع الانتحار.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر