الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

حديقتي

منذ ذلك اليوم وأنا أحسّ أن تلك النخلة التي بقيَتْ تكبر أمام عينيّ على ضفة دجلة وكأنها توأمي.. ولا أعلم هل هي النخلة وأنا الشاعرة أم العكس.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/01/20، العدد: 10160، ص(21)]

عشقتها وانتميت إليها منذ طفولتي.. ولم أجد في حياتي من هو أوفى وأكثر منها عطاء.. وأعني: زروعي.. تلك التي كنت ومازلت أسقيها حبا فتمنحني حبا وأملا ومسرّة.. وتحسّسني وأنا أشتلّ كل نبتة جديدة وكأنني أزرع في رحم الأرض طفلا سيولد ويكبر أمام عينيّ ويمنحني ما منحته..

بقيتْ الأرض وتربتها وزرعها انتمائي الذي لم أجده حين اضطرتني الظروف أن أختار السكن العمودي.. ولم تعوّضني نباتاتي الظلّية الداخلية عمّا تمنحه لي الأرض.. بقيتُ أشعر وأنا في الشقق أنني انتقل من فندق لفندق بانتظار أن أسكن لبيت يتوسط أرضا وحديقة مهما كان صغيرا وبغض النظر عن امتلاكي له أو سكني فيه بالإيجار.. لكن فكرة البيت لم تكن ولن تكون عندي إلا في البيت!.. المنزل.. بحديقته التي تجعلني أحسّ بأمان وجودي في وطني.. فوطني هو نفسي.. وهو غرفتي ثم بيتي ثم أهلي وناسي..

أتذكر جيدا.. حين كان عمري أربع سنوات.. وكنت أقف متفرجة بذهول وانفعال على أبي وهو يزرع فسيلة نخل “خستاوي” على شط دجلة حيث يقع بيت العائلة الكبير.. كان يحدّثني عن “عماتنا النخلات”.. وعن أنواعها وأنواع تمرها وطرق زراعتها.. وقال إن هذه الفسيلة طفلة.. سمحتْ لنا أمها أن نأخذها منها بعد أن كبرت قليلا واشتد عودها.. وصار عمرها أٍربع سنوات.. وصحت بفرح:.. أربع سنوااااات!.. إنها من عمري!.. فضحكنا وجعل لها أبي اسماً كاسمي!..

منذ ذلك اليوم وأنا أحسّ أن تلك النخلة التي بقيَتْ تكبر أمام عينيّ على ضفة دجلة وكأنها توأمي!.. ولا أعلم هل هي النخلة وأنا الشاعرة أم العكس!.. ومن يومها وأنا أحسّ أن روحي مع توأمي هناك.. مزروعة على ضفة النهر العظيم..

غادرتها إلى بيت آخر حين تزوّجت.. ولكنني لم أنفكّ عن زيارتها والسلام عليها والحديث معها.. وحين اضطرتنا الظروف أن نغادر البلد والنهر والأهل.. بقيَ ظلها يرافق روحي أينما حللت.. مثلما بقيَ أبي حتى يومنا هذا يزرع نخلة عراقية أينما حلّ وفي كل بلد يحطّ حقائبه فيه.. يسمّي النخلات بأسمائنا.. ويزرعها في أصغر وأكبر الأماكن.. في “السنادين” الصغيرة والشرفات الصغيرة للشقق.. وفي حديقة البيت الصغير والكبير.. وحتى في الحدائق العامة أمام كل بيت سكن إليه.. يدثـّرها من برد أوروبا الذي لا يشبه دفء وحرارة بيتها البغدادي.. ويعتني بتربتها التي يحاول بحبه أن يجعلها شبيهة بتربة العراق..

هكذا علّمني أبي فعشقتُ معه الأرض والزرع.. وتعلمت معنى الانتماء للمكان بزروعي ومعنى الانتماء للطبيعة والوطن.. تعلّمت أن الزرع عطاء.. فمن يزرع شجرة لن تظلّله وحده ولن تطرح ثمرها له وحده.. ومن يزرع وردا سينشر العطر واللون والمحبة لكل من يمرّ به..

منذ سن الرابعة غدت الطبيعة الاُمّ هوسي وعشقي.. فلم تكن هواية أحبها وأمارسها بل غدت علاجا لكل همّ.. وفعلا يثري في روحي حب الحياة.. وشغفا يحرضني على صناعة الأمل.. علمتني حديقتي العطاء والصبر وطول الأنّاة والحكمة.. علمتني أن الزرع أكثر وفاء من الإنسان والحيوان.. وعلمتني أن من يزرع حبا لا يحصد غير الحب..

صباحكم خضرة..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

:: اختيارات المحرر