الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

بس خلاص

من يطلع على تراثنا العربي الإسلامي يدرك أن أجدادنا كانت لهم صدور أرحب من صدورنا وعقول أنور من عقولنا، فكتبوا شعرا ونثرا لا يستطيع أحد اليوم ترديدهما علنا.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/01/20، العدد: 10160، ص(24)]

حتى المغني الشعبي شعبان عبدالرحيم مطلوب للقضاء بتهمة ازدراء الأديان، لأنه تصرّف بتلقائيته المعهودة ورتّل آيات من القرآن الكريم وعلى رأسه العمامة الأزهرية. فقد تقدم أحد المحامين ببلاغ إلى النائب العام المصري قال فيه إنه تم تداول مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيه شعبان عبدالرحيم وهو يتلو القرآن الكريم وهو ما أثار استياء عدد كبير من المتابعين والمشاهدين، حيث ظهر شعبان في الفيديو مرتديا العمامة الأزهرية، وهي رمز لعلماء الأزهر الشريف وقاماته من الشيوخ والدعاة من رجال الدين.

وقال البلاغ إن شعبان ارتدى العمامة فوق ملابسه المعروف عنها الهبوط بالذوق العام، مما يعد إهانة لهؤلاء العلماء، وأكد أن المطرب الشعبي قرأ القرآن الكريم بشكل ملحّن على وزن أغانيه، مما يشكل جريمة في حقه، وهي ازدراء واستهزاء بالقرآن وقدسيته وجلاله، وأظهر ما فعله أنه لا يحفظ فاتحة القرآن، مما يعد استهزاء بكتاب الله.

وردّ شعبولا في أقواله أمام النيابة “أنا لم أقصد الإساءة إلى الأزهر كما زعم البعض ولكني كنت أريد توصيل رسالة بأن أي أحد يستطيع أن يفتح كتاب الله ويقرأ فيه حتى إن كان فاشلا في التلاوة”، متابعا “مش مشكلة أن كل واحد يقرأ القرآن بطريقته ويتقرب من الله.. لكن المشكلة الحقيقية أن الواحد لا يقترب من القرآن أبدا”.

قضية شعبان ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وهي إن دلت على شيء فإنما تدلّ على طبيعة حالة الانحطاط التي نعيشها، والتي لم يعرف تاريخ العرب والمسلمين مثلها سابقا، وهي تشير إلى أننا بتنا نتصنّع البلاء، ونعقّد العقيدة، وأضحينا نضيق بكل شيء، وظهر بيننا من يعتقد أن الإسلام في خطر، وأن رأيا مخالفا قد يهدم أركانه، وقصيدة شعر قد تهزّ بنيانه، ومقالا في صحيفة قد يصيبه في مقتل، ومشهدا دراميا قد يربك السماء، وقراءة شعبولا لآيات قرآنية ستضير الإسلام والمسلمين والأزهر والأزهريين.

من يطلع على تراثنا العربي الإسلامي يدرك أن أجدادنا كانت لهم صدور أرحب من صدورنا وعقول أنور من عقولنا، فكتبوا شعرا ونثرا لا يستطيع أحد اليوم ترديدهما علنا، وسألوا وتساءلوا وشكّوا وتشكّكوا وسخروا وضحكوا وتهتكوا ونقدوا وانتقدوا ونكّتوا وبكّتوا، ومنهم من صارح بكفره، ومنهم من تاب ومنهم من لم يتب، ومنهم من ادعى النبوة، ومنهم من تحدى العلماء وجادل الفقهاء، ومع ذلك لا يزال الإسلام دينا للأمة، ولا يزال القرآن كتابها المقدّس.

أما اليوم فقد اختلف المشهد حتى بات شعبان عبدالرحيم، بما يمثله من تلقائية تصل إلى حد السذاجة، مطلوبا للقضاء بتهمة ازدراء الأديان، فقط لأنه اعتمر عمامة، وتلا سورة الفاتحة بإمكانياته الخاصة التي لم يدع يوما أنها إمكانيات الحصري أو عبدالباسط عبدالصمد.

وبس خلاص.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

:: اختيارات المحرر