الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

كلمات متقاطعة: إنصاف القلب والقالب

اليوم وفي زمن سلطة الصورة، فإن ضرورة العمل على إنتاج برامج تلفزيونية ثقافية وحيوية، واسعة الأفق تعنى بشؤون الفن التشكيلي العربي والثقافة تبدو أمرا مُلحا في عالمنا العربي.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/01/21، العدد: 10161، ص(16)]

عندما أوكلت إليّ منذ خمس سنوات مهمة إعداد وإخراج برنامج ثقافي لحساب إحدى المحطات التلفزيونية، كان لديّ تصور يفوق حدود ما يمكن أن يقدمه برنامج ثقافي بالمعنى التقليدي والمتعارف عليه في الوطن العربي.

طُرح “ريشة وقلم” كعنوان للبرنامج، أخفيت يومها امتعاضي من هذا الطرح حتى لا أصعّب ولادة برنامج أسبوعي طريّ العود في زمن تلفزيوني اعتبر ولا يزال يعتبر الثقافة ومن ضمنها الفنون التشكيلية مجرد ظهور على حد الهامش وقيد السقوط من الحسبان في أي لحظة من اللحظات.

كان هذا العنوان، على الأقل بالنسبة إلي، على مستوى متقدم من الرجعية ويحمل في طياته رُفاته ورُفات البرنامج حتى من قبل ولادته، إذ كان يوحي بأنه سيكون برنامجا مملا يجمّع أخبارا متناثرة، أو يكون قادما، على أفضل تقدير، من أزمنة غابرة، حيث كانت صورة الفنان التشكيلي هي لكائن يتسكّع فقرا على مفترقات الطرق مع ريشته التي نتفها من جسد طائر عابر في غفلة منه، وحيث صورة الشاعر هي لمخلوق هامشيّ يخطً بقلمه المجنون خربشات جنونه في العلن.

يومها اقترحت عنوانا آخر، من منطق أنه أكثر إشارة إلى الترفيه، كلمة ذهبية في عالم التلفزيون، العنوان الذي قدمته واعتُمد لاحقا كان “كلمات متقاطعة”، وقد استوحيته من بنيان أعمال غرافيكية مذهلة وجدلية للفنان الهولندي موريتس كورنيليس إشير.

لا أخفي مدى سروري يومها لأنني اعتبرت أنني نجحت على مستويين: من ناحية تقديم للمحطة التلفزيونية ما يريدونه من إظهار اهتمام بالشؤون الثقافية أمام الجمهور الواسع، ومن ناحية أخرى توسيع آفاق البرنامج عبر تقديم أوجه التشابه، أو التداخل، أو التكامل ما بين الشؤون الثقافية والفنون التشكيلية، والشعر مع العلم، والسياسة، والشؤون البيئية والاجتماعية والاقتصاد والسياحة، إلخ.

كما الكلمات المتقاطعة من الناحية البصرية، جاء التصور الباطني للبرنامج كتقاطع ما بين عوالم مختلفة في الظاهر، ولكن في حقيقتها منسجمة ومتكاملة ومتأثرة ببعضها البعض.

أعددت يومها المئات من الصفحات حول رؤيتي لهذا البرنامج دون أن أفصح عن كل شيء إلاّ بدفعات متباعدة في الزمن خوفا من أن تتمّ “صعلكة” البرنامج كما تمّ لاحقا ما أدّى إلى وفاته السريرية، بعد أن تحول إلى مجرد برنامج سطحي يعرض ومن “كل واد عصا”، أخبارا عن معارض تشكيلية متفاوتة المستوى أو ندوات ثقافية دون الإبحار في معالمها بطريقة مشوّقة تجمع الترفيه والجدية.

اليوم، وفي زمن سلطة الصورة، فإن ضرورة العمل على إنتاج برامج تلفزيونية ثقافية وحيوية، واسعة الأفق تعنى بشؤون الفن التشكيلي العربي والثقافة بالمعنى المطلق للكلمة، تبدو أمرا مُلحا في عالمنا العربي.

لا يمكن الاستمرار في التعاطي مع الأعمال الفنية التشكيلية أو تلك التي تدور في فلكها من مشاهد ثقافية وكأنها مجرد أخبار متفرقة أو منوعات والتعبير مُحبب لدى محطات التلفزيون بمجملها، تؤمن تعبئة وقت ضائع ما بين محورين.

كل من رافق ويرافق النمو المطّرد للفن التشكيلي العربي المعاصر وتشعباته وتأثره بمختلف التيارات الفكرية، والفنية إلى جانب الحوادث على أرض الواقع لا بد من أن يوافق الفنان م. سي. إشير على استحالة توصيف أو عرض ظاهرة فنية أو حدث ما بشكل سطحي، دون الولوج إلى مختلف الأبعاد المؤلفة له.

أطلق الفنان على عمل مغناطيسي له عنوان “الشرفة” يصور فيه سلسلة مبان غرائبية تتداخل فيها شتى أنواع المباني، تبدو وكأنها مستحيلات هندسية/ علمية لتنعقد في وسط العمل الفني على شرفة وكأنها عين جاحظة، في إشارة مُحقة، اليوم أكثر من البارحة، على عبثية تناول أي ظاهرة فنية أو أي عمل فني من دون الأخذ بكل جوانبه، يعلق الفنان على عمله هذا بهذه الكلمات: بالتأكيد إنه من السخافة رسم بضعة خطوط، ومن ثم القول: هذا مبنى.. ويضيف قائلا: ثيمة لوحة الشرفة تجسد تماما هذا الوضع الشاذ وخطورته.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر