الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

مترجمون تنقصهم الكفاءة ونقاد يختلفون على المصطلح

تعدد التيارات ساهم في تعميق مشكلة اللغة والكتابة النقدية العربية وفي تكريس واقع الفوضى الذي كان للصحافة الثقافية دور في تعميقها.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/02/07، العدد: 10178، ص(15)]

رسمة للفنان حسام بلان

تواجه اللغة العربية تحديات واسعة تفرضها التطورات المتسارعة لإنجازات العصر العلمية والتقنية والفكرية، حتى أصبح استيعاب لغة هذا العصر دليلا على قدرة اللغة على الحياة والتطور، خاصة عندما تكون الأمة مستهلكة لمنتجات الحضارة والعصر، وغير فاعلة في هذا السياق.

لقد كشف تاريخ الحضارة العربية في عصر التعريب الواسع الذي شهده زمن الخليفة المأمون في العصر العباسي عن وعي حقيقي بأهمية هذا الدور وضرورته على مستوى انتقال اللغة العربية من لغة الأدب والشعر والدين، إلى لغة العلم والفلسفة والطب والبحث، التي تثري هذه اللغة وتطوّرها لكي تغني الفكر العربي وتعينه على الإبداع في شتى مجالات الحياة والعلوم، وكان نجاح هذه التجربة على مختلف الأصعدة دليلا واضحا، على حيوية اللغة العربية وقدرتها على التطور واستيعاب لغة العصر.

لم تستطع هذه التجربة الرائدة التي تركت لنا ميراثا واسعا وغنيا، في مجالات العلوم الإنسانية والعلوم المختلفة أن تحافظ على استمرارها، فكان ذلك إيذانا ببدء عصر التخلف والضعف، الذي انعكس على وضع اللغة العربية وتطورها. ولعل مقارنة بسيطة يقوم بها الباحث اليوم بين الواقع الذي يعيشه النقد العربي المعاصر، والتراث النقدي العربي القديم سوف تكشف عن الاختلال الواضح لصالح الأخير، الذي قدم مجموعة كبيرة من المفاهيم النقدية، قبل أن تظهر النظريات النقدية الغربية المعاصرة التي يعيش عليها النقد العربي المعاصر اليوم.

إن النقد العربي الحديث الذي وجد نفسه دون مرجعيات نقدية ناجزة، يمكن أن يعتمد عليها في مقارباته للنص، لم يكن أمامه سوى الاعتياش على المنجز النقدي الغربي بمدارسه واتجاهاته المختلفة

اللغة والنقد

قبل الحديث عن الإشكالية التي تعيشها اللغة النقدية العربية المعاصرة، لا بد من القول إن هذه الإشكالية ترتبط بمعناها الأوسع بالأزمة التي تعيشها الثقافة العربية عموما، والتي تتّخذ بعدين متناقضين، البعد الأول يتلخّص في محاولة الانغلاق على الذات، ورفض التجديد بحجة مقاومة الغزو الثقافي الغربي لنا والحفاظ على الهوية، أما البعد الثاني فيتمثل في الانبهار بثقافة الغرب، ومحاولة التماهي معها، بوصفها ثقافة العصر وطريقنا لبلوغ الحداثة.

إن النقد العربي الحديث الذي وجد نفسه دون مرجعيات نقدية ناجزة، يمكن أن يعتمد عليها في مقارباته للنص، لم يكن أمامه سوى الاعتياش على المنجز النقدي الغربي بمدارسه واتجاهاته المختلفة، لكن هذه العلاقة اصطدمت بمشكلتين اثنتين، تمثلت الأولى في ترجمة المصطلح النقدي الغربي، ونقله إلى العربية بمعناه التام في مرجعياته النظرية، في حين تحددت المشكلة الثانية بالإشكالية التي يعاني منها المصطلح النقدي في الثقافة الغربية الأمّ، والناجمة عن تعدد التيارات واختلافها وتبايناتها على مستوى النظرية والمفهوم في النظرية الواحدة، ما أدى إلى ظهور تعريفات متعددة للمصطلح النقدي الواحد، تختلف حمولاته الدلالية بين ناقد وآخر. وبذلك كان لا بد أن تنتقل هذه الإشكالية مع الترجمة، إلى النقد العربي وتخلق حالة من التداخل والبلبلة في اللغة والممارسة النقدية العربية.

إشكالية المصدر

يستخدم النقد العربي الحديث للدلالة على المكان الروائي ثلاثة مصطلحات بمعنى واحد، هي المكان والفضاء والحيّز، وهذه المصطلحات الثلاثة تعاني في النظرية النقدية الغربية أصلا، من الاختلاف النسبي في دلالة المفهوم.

يعرّف جيرالد برنس الفضاء space بقوله هو المكان، أو الأماكن التي تقدم فيها الأحداث والمواقف السردية التي تجري، بينما مفهوم الفضاء عند عدد آخر من النقاد الغربيين يحمل معنى أشمل من المكان الذي يمثل مكونا للفضاء ويرتبط بعلاقة حضور الشخصية فيه، بينما اعتبره الشعريون أحد العناصر الفاعلة في المغامرة السردية، التي تتجاوز مفهوم المكان الذي تجري فيه أحداث الرواية.

النقد العربي الحديث للدلالة على المكان الروائي ثلاثة مصطلحات بمعنى واحد، هي المكان والفضاء والحيّز

ولا يختلف الحال بالنسبة إلى مفهوم الرؤية السردية، الذي أطلقت عليه في النقد الأنكلو-سكسوني تسميات متعددة، تجاوزت قضية التسمية إلى النظرية وموقع هذا المفهوم ودلالاته داخل هذه النظرية، فهناك وجهة النظر والمنظور السردي والتبئير، الأمر الذي يجعل هذه الإشكالية على مستوى اللغة النقدية تتجاوز موضوع التباين في التسمية، إلى مسألة مفهومية ومنهجية في آن معا، ترتبط بالنظرية النقدية وتعدد التيارات والاتجاهات داخلها.

ويعد مصطلح الكتابة النسوية مثالا آخر على هذه الإشكالية، بسبب تعدد الترجمات، وتنوع المرجعيات النقدية الأنكلو-سكسونية، التي يتم نقل المصطلح عنها. إن هذه الإشكالية تتضح من خلال تعدد المصطلحات التي تستخدم للدلالة على ذلك، فهناك مصطلح الكتابة النسوية والكتابة النسائية، والكتابة الأنثوية، أو الأدب الأنثوي. ويظهر الخلط بين هذه المصطلحات في الكثير من الترجمات أو الكتابات النقدية، التي تتناول موضوع الأدب أو قضايا النسوية المختلفة.

في الكتابة النقدية

تتجاوز هذه الإشكالية لغة المصطلح وحمولاته الدلالية في الترجمة، التي يتخذ منها الكثيرون من العاملين في حقل النقد مرجعيات لهم في استيعاب تلك النظريات، إلى الكتابة النقدية العربية واختياراتها، في ضوء علاقة الناقدات العربيات مع المرجعيات النقدية الغربية، ومدى اقتناع كل واحدة منهن بوجاهة ما يحمله كل مصطلح من دلالات، في إطار السياق المعرفي والمنهجي للنظرية النقدية عند هذه الناقدة أو تلك. وتزداد تعقيدات هذه المشكلة نظريا وإجرائيا مع محدودية استيعاب المصطلح ودلالاته وموقعه، الذي يشغله داخل شبكة المفاهيم العامة التي تتكون منها هذه النظرية أو تلك، لا سيما مع تعدد التيارات التي تفرّعت عنها.

هناك تواطؤا يتم بين دور النشر والمترجمين، ممن لا يملك الكفاءة المطلوبة في معرفة اللغتين، اللغة الأجنبية التي يقوم بالترجمة عنها، أو العربية التي يقوم بالترجمة إليها

لقد ساهم هذا الوضع في تعميق مشكلة اللغة والكتابة النقدية العربية، وفي تكريس واقع الفوضى الذي ساهمت الصحافة الثقافية في تعميقها، لكن الدور الأخطر هو الذي لعبته دور النشر الخاصة، من خلال غياب المعايير المعتمدة في اختياراتها للأعمال المترجمة ونشرها، فقد ظل الهدف التجاري هو الغالب على عمل تلك الدور سعيا وراء التسويق السريع للكتاب المترجم، لا سيما كتب النقد الحديث، مستغلة الحاجة الماسة إليها من قبل طلبة الجامعات والمشتغلين في هذا الحقل، ممّن ليست لديهم المعرفة الكافية باللغة الأجنبية. ويمكن القول هنا إن هناك تواطؤا يتم بين تلك الدور والمترجمين، ممن لا يملك الكفاءة المطلوبة في معرفة اللغتين، اللغة الأجنبية التي يقوم بالترجمة عنها، أو العربية التي يقوم بالترجمة إليها، أو بسبب ضعفه في إحداهما، الأمر الذي لا بد أن ينعكس سلبا على لغة الترجمة ودقّتها في استيعاب المعنى، خاصة إذا كان المترجم ليس من أصحاب الاختصاص في هذا المجال.

غياب العمل المؤسساتي

لقد ترافق هذا الوضع مع غياب الجهات الثقافية العربية التي تشرف على أعمال الترجمة، وفي مقدمتها مجامع اللغة العربية، التي أقيمت من أجل هذه المهمة. إن غياب دور هذه المجامع اللغوية واقتصاره على المستوى الأكاديمي، قد ترك الساحة لدور النشر الخاصة والعامة للقيام بهذه المهمة، دون مراعاة للشرطين السابقين المطلوب توفرهما عند المترجم. ففي حين اهتمت دور النشر الخاصة بتحقيق الربح المادي بغض النظر عن قيمة الترجمة ومؤهلات المترجمين، فإن دور النشر الرسمية قد خضعت في عملها للمحسوبية والعلاقات الشخصية، في حين لم تتم أيّ محاولة جادة وحقيقية لتفعيل دور مجامع اللغة العربية، وتكليفها بالتعاون مع مجموعة من النقاد الأكفاء، الضالعين في اللغة المترجم عنها بالإشراف على عمليات ترجمة المصطلحات والكتب النقدية، لكي يكون المصطلح العربي المقابل مكافئا للمصطلح النقدي الغربي في معناه ودلالته.

إن مشكلة ترجمة المصطلح النقدي الغربي ونحت المصطلح العربي المقابل له، لم تتوقّف عند حدود الترجمة، التي تقوم بها في كثير من الأحيان شخصيات لا علاقة لها بالنقد، بل هي تتجاوزها إلى اختلاف النقاد فيما بينهم، على صعيد ترجمة المصطلح الغربي، فقد لجأ كل ناقد منهم إلى ترجمة المصطلح ترجمة مختلفة عن الآخر، بذريعة أنها الترجمة الأكثر استيعابا للمعنى الحقيقي للمصطلح النقدي، حتى وجدنا عدد الترجمات المنجزة للمصطلح الواحد، توافق عدد المترجمين أنفسهم.

وفي محاولة لتجاوز هذه المشكلة تمّ إنشاء اتحاد المترجمين العرب في بيروت، كمؤسسة غير رسمية، حاولت توحيد جهود مجموعة من المترجمين العرب، من ذوي المعرفة الجيدة في اللغتين الأجنبية والعربية وتكليفها بأعمال الترجمة، لكن ذلك لم يحلّ مشكلة ترجمة المصطلح الغربي واستيعابه في الترجمة العربية له، لأنها ظلت تعتمد على اجتهاد المترجم ومدى استيعابه للنظرية النقدية الغربية وسياقاتها المعرفية، ناهيك عن غياب الدعم المادي الرسمي لها لتطوير وتوسيع عملها.

بين الترجمة والتوطين

تتوسع حدود إشكالية المصطلح نظرا لتعدد المواقف منه فهناك من يرى أن الترجمة العربية للمصطلح النقدي لا يمكنها أن تستوعب معناه لأن هذا المصطلح تخلّق في سياق معرفي ولغوي تتعالق وحداته المشكّلة لمضمون النظرية، ما يجعل محاولة استيعاب معناه الدلالي في اللغة العربية ناقصا، الأمر الذي يجعلهم يطالبون باستخدام المصطلح كما جاء في النظرية الأمّ وتوطينه في هذه اللغة لكي يحافظ على معناه الحقيقي.

مشكلة ترجمة المصطلح النقدي الغربي ونحت المصطلح العربي المقابل له، لم تتوقّف عند حدود الترجمة، التي تقوم بها في كثير من الأحيان شخصيات لا علاقة لها بالنقد، بل هي تتجاوزها إلى اختلاف النقاد فيما بينهم

ولعل استخدام مصطلح السيميوطيقيا الذي ترجمه البعض إلى علم الدلالة والبعض الآخر إلى إنتاج الدلالة، ومصطلح الميثولوجيا الذي تمت ترجمته إلى علم الأساطير في الكتابات النقدية، ما يكشف عن حالة البلبلة والتشتت التي يواجهها تعريب هذه المصطلحات، واستيعاب المضمون المعرفي لها في سياق النظرية النقدية، لا سيما وأن هذا المصطلح يتفاوت في دلالاته وحدوده بين ناقد غربي وآخر، نظرا لتعدد التيارات والاجتهادات داخل النظرية الواحدة، وهو ما يجده الباحث في مصطلح “التناص”، الذي صكته جوليا كريستيفا أواخر ستينات القرن الماضي، والذي استبدله جيرار جينيت بمفهوم “التعالي النصي”.

إن هذا الواقع الإشكالي مرتبط في جانب مهم منه بمسألتين اثنتين، المسألة الأولى هي ترجمة المصطلح بمعزل عن معرفة سياقاته المعرفية من قبل المترجم، ما خلق مشكلات مفهومية ومنهجية، بينما المسألة الثانية تتعلق بغياب الجانب المعرفي باللغة النقدية ونظرياتها، انعكس سلبا على قدرة المترجم على استيعاب دلالاته الكاملة في إطار النظرية.

وتبدو هذه الإشكالية أوضح ما تكون في تباين المفاهيم والتعريفات، التي يجدها المتابع في معاجم المصطلحات العربية، التي يفترض بها أن تكون معينا لكل دارس لا يجيد اللغات الأجنبية.

تعاني هذه المعاجم من تباينات واضحة في ترجمة المصطلحات، وما تقدمه من تعريف بها أو بالنظريات النقدية، والسبب يكمن كما أسلفنا في تباين معرفة المترجم الكبيرة باللغة المترجم عنها، أو اللغة العربية، إضافة إلى غياب المعرفة الكاملة بالنظرية النقدية التي يقوم بنقل المصطلح عنها، ما ينعكس على معرفة القارئ والدارس بهذه المدارس والمصطلحات ويجعل اللغة النقدية تفتقد إلى الدقة والعلمية في استخداماتها ووظيفتها الإجرائية.

كاتب من سوريا

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر