الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

تونس.. خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الخلف

تونس مهددة بأن تتحول إلى نقطة عبور للجماعات المسلحة المتطرفة في المنطقة، واستمرار التوتر الاجتماعي وتوالي المواجهات من شأنهما المس بسلامة الدولة الداخلية.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/01/25، العدد: 10165، ص(9)]

عادت تونس لكي تصبح مجددا البلد الأكثر رواجا في الإعلام العربي والعالمي، ولكن هذه المرة ليس لكي تصنع ربيعا عربيا سرعان ما تحول قبل سنوات إلى محرقة جماعية في الوطن العربي، بل لكي تدشن عهد الندم عليه، أو هكذا يبدو، في مشهد أقرب إلى السخرية والمفارقة.

ففي توقيت مزامن للذكرى الخامسة لما يسمى بثورة الياسمين التونسية، التي كانت شرارة انطلاق التحولات في المنطقة العربية، تفجرت الاحتجاجات الاجتماعية في عدد من مدن البلاد ومحافظاتها، على خلفية الأوضاع الاقتصادية وتبخر الوعود التي قدمتها الأحزاب الحاكمة طيلة السنوات الماضية، منذ الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي، من دون أن تتخطى تلك الوعود عتبة الخطاب السياسي التبشيري، الذي يقدم الكثير من المراهم والقليل من أدوية العلاج. وفي مفارقة مذهلة، اندلعت الأحداث الأخيرة في سيناريو شبيه بالسيناريو الذي حصل في أحداث 2011، وذلك بعد وفاة أحد الشبان المحتجين في مدينة القصرين الواقعة وسط البلاد، بعدما تعلق بعمود كهربائي ما أدى إلى احتراقه، تماما كما حصل مع الشاب محمد البوعزيزي الذي فجرت وفاته أحداث الربيع العربي.

قدمت تونس، قبل خمس سنوات، مثالا نموذجيا في الإعلام الدولي والعربي للبلد الأكثر قدرة على صنع ثورة داخلية هادئة، وفوق ذلك تسويق نموذجه على الصعيد العربي؛ كما أنها أظهرت انقلابا في المعادلة التقليدية التي تكرست طيلة العقود الماضية، وهي أن التغيرات السياسية والنماذج التي تصنع التحول تأتي عادة من المشرق العربي، بينما يكون دور المغرب العربي تلقف تلك النماذج. ذلك أنها نجحت في أن تعبد الطريق أمام نوع من التعايش السياسي بين الفرقاء الحزبيين، وأن تظهر بأن الاختلافات السياسية بين الأحزاب المتنفذة لا تكون بالضرورة عقبة أمام البناء الديمقراطي الحقيقي وإنجاح تجربة الانتقال، مهما كان التباعد في الاختيارات الأيديولوجية بين هذه المكونات السياسية، وفي نفس الوقت أظهرت بأن هذه المكونات قادرة على رص صفوفها في وجه الإرهاب المتلفع بالدين، والحفاظ على لحمة الوحدة الوطنية في مواجهة عدو مشترك يهدد بنسف المكاسب التي حصلت عقب التغيير الذي وقع عام 2011.

غير أن مثل هذه المقاربة في التحليل لم تصمد أمام صخرة الواقع العنيد. فالبلد سرعان ما انزلق إلى الخصومات السياسية الجانبية التي أثرت على مهمة البناء الداخلي، وحزب النهضة الإسلامي الذي كان يقدم نفسه، إلى عشية اندلاع ثورة 2011، نموذجا بين التنظيمات الإسلامية الأكثر إيمانا بالديمقراطية واستيعابا للتعددية، سقط هو الآخر في الحسابات السياسية الضيقة، وحزب “نداء تونس” الذي تشكل حديثا وظهر بمظهر الحزب الأقوى الذي سعى إلى جمع خصوم النهضة في جبهة واحدة، لم يتمكن من التحكم في تضخمه السريع، وسقط بدوره في صراعات داخلية باتت تهدد وحدته وتماسكه، في الوقت الذي بقي الاحتقان الاجتماعي يتراكم في صدور المواطنين، الذين انتظروا نتائج “ثورة الياسمين” طويلا، لكنهم لم يلمسوا التحول الذي تم التبشير به، ولم يلحظوا التمايز الموعود به عن النظام السابق الذي حكم البلاد لما يقارب ربع قرن.

النموذج الذي مثلته تونس الجديدة بعد ثورة الربيع العربي لم يكن مبنيا على خصوصيات تميز التنظيمات السياسية الفاعلة والمؤثرة، فهو لا يعود إلى إيجابيات موجودة في هذه التنظيمات بقدر ما يعود إلى السلبيات التي تراكمت في العهد السابق. فقد قاد بن علي البلاد بيد من حديد وأسكت التعددية الحزبية وحول الديمقراطية إلى واجهة انتخابية لفائدته؛ وعلى الرغم من التقدم الاقتصادي الذي أنجز في عهده، وتحول تونس إلى نموذج للنجاح على المستوى الاقتصادي في المنطقة، إلا أن تلك السلبيات خلقت من حوله خصوما سياسيين كانوا ينتظرون سقوطه، إذ إلى جانب كونه نجح في إدخال البلاد عهد الازدهار الاقتصادي، فقد نجح بنفس الدرجة في خلق معارضين له، ولذلك انتشى هؤلاء بسقوطه، وخلقت حالة الانتشاء تلك وضعا سياسيا ظرفيا يقوم على التعايش والتقارب، كنوع من الانتقام السيكولوجي من النظام السابق، لكن تلك الحالة لم تستمر طويلا، الأمر الذي أعطى الانطباع للمواطنين بأن أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية تمت التضحية بها في مذبح المناورات السياسية بين الفرقاء.

الوضع الداخلي الذي يجري في تونس لا يمكن فصله عن الوضع الإقليمي، فالجماعات المتطرفة المسلحة داخل وخارج تونس تتربص بالبلاد لتحويلها إلى دولة فاقدة لأي سلطة مركزية، وهو ظلت تنظر إلى النجاح الذي حققته البلاد في إنجاز ثورتها الهادئة باعتباره تهديدا لمخططاتها التي ترمي إلى خلق الانفلات الأمني، والدفع بسيناريو التوحش الذي يضمن لها الانتشار وسط حالة الفوضى، كما أن تنظيم داعش، الذي يسعى إلى التمدد في كل التراب الليبي ويخطط للتقدم في مناطق أخرى، بات ينظر إلى تونس كحزام مانع لهذا التمدد الإقليمي، وهو بلا شك ينظر إلى إعلان المجلس التأسيسي الليبي عن حكومة الوفاق من تونس “مؤامرة” على محاولاته للتمدد، ومن الطبيعي أن يهدف إلى الانتقام من الدولة التونسية بزرع الفوضى واستثمار المخلفات الكارثية للسياسات الداخلية المتراكمة، لإعادة إيقاظ السخط الاجتماعي وتوظيفه.

تونس مهددة اليوم بأن تتحول إلى نقطة عبور للجماعات المسلحة المتطرفة في المنطقة، واستمرار التوتر الاجتماعي وتوالي المواجهات من شأنه أن يمس بسلامة الدولة الداخلية، بحيث تتحول البلاد إلى تفاحة فاسدة تسقط في يد المتطرفين، وهو السيناريو الأكثر خطورة الذي سيؤدي إلى إدخال المنطقة في حقبة من الإرهاب الأعمى الشامل؛ ذلك أن تونس التي صنعت الربيع العربي، يريد لها المتطرفون اليوم أن تصنع″الربيع الجهادي”.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر