الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

'المتمرد' صراع محتدم بين عرق أصيل وآخر مشوه

  • العالم الذي سنفقده تباعا سوف تتحول فيه المدن والحواضر الكبرى إلى مجرد ماض وأطلال خارج امتداد الزمن، لكن في المقابل سيذهب بنا الخيال بعيدا باتجاه أن يكون في هذا العالم من هو باق ويبحث عن سرّ البقاء والديمومة، وذلك لن يتحقق إلاّ بتسيّد عِرق على سائر الأعراق لكي يحافظ على ما تبقى من وجود بشري، لكن السؤال هو: من هم أولئك المتبقون من تلك الديستوبيا الهائلة التي ستضرب الكون؟ سؤال يجيبنا عليه فيلم “المتمرد” للمخرج روبرت شوينتك.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/01/25، العدد: 10165، ص(16)]

يوتوبيا قائمة وسط الخراب

في فيلم “المتمرد” (إنتاج 2015) للمخرج روبرت شوينتك سنغوص عميقا ومنذ الوهلة الأولى في صراع محتدم ما بين مدافعين عن المكان الذي تمّ إنقاذه وما بين غرباء خطرين، ما بين مدينة فاضلة يتكامل فيها النظام والسلطة المطلقة وبين غرباء ذوي جينات خطرة لا تريد لهذا النظام المتقن أن يبقى، وهي حقا مقولة تختصر صراع الأقوام والعِرقيات على مرّ العصور، ما بين عِرق أصيل وآخر مشوّه ولا حضاري، وعلى وقع هذا كله تمتدّ البنية السردية في هذا الفيلم للمخرج روبرت شوينتك وهو مخرج لامع، ألماني الأصل من مواليد 1968، وهذا هو فيلمه الروائي السابع.

الفيلم هو امتداد لسلسلة روائية ثلاثية تحت عنوان “المختلف” للكاتبة الأميركية فيرونيكا روث، كان الجزء الأول منها قد أخرجه نيل بورغر وأدّت أدواره الرئيسية نفس الشخصيات في هذا الفيلم، وعرض في عام 2014 وحقق رواجا جيّدا بتكلفة قرابة 89 مليون دولار، وبدخل قيمته قرابة خمسة أضعاف هذا المبلغ.

منذ البداية تجري ملاحقة أولئك الغرباء الذين قاموا بالاعتداء على إحدى المستعمرات، هنا ستلوح بقايا مدينة شيكاغو الأميركية في شكل بقايا أطلال وخرائب، ويظهر سياج يحيط بالمملكة التي تقودها جينين (الممثلة كايت وينسليت)، مملكة مغلقة على نفسها وكل من فيها تقريبا مسلحون وجاهزون للدفاع عنها وتحت إمرة جينين التي تنتشر صورها على الشاشات في كل مكان مخاطبة شعبها الذي ترتبط به أيضا بقوة جينية تحول دون أيّ تمرد عليها.

هي إذن يوتوبيا قائمة وسط الخراب ومحاطة بشتى الحصون والأسيجة التي تحول بينها وبين الغرباء، فالنظام ذكي، شجاع، متفاهم، صادق وناكر للذات وتلك الصفات لم تعد متاحة لغير أولئك الباقين في تلك البقعة، أما الآخرون فهم الأشرار، يتمّ التعرف عليهم جينيا من خلال فحصهم بالتتابع خلال موجات الهجوم على مستعمراتهم البدائية المعزولة.

ستحمل تريس (الممثلة شيلين وودلي)، نجمة فيلمي هذه السلسلة كامل الخواص الجينية المختلفة لأولئك الأعداء، ولهذا ستقود مع صديقها توبياس (الممثل الإنكليزي ثيو جيمس) صراعا طويلا ضدّ مملكة جينين، هو نوع من الصراع ضد الاستبداد، محاكاة للمخزون الجمعي للانتفاضات ضد أشكال التحكم الشمولي المدعوم بالتكنولوجيا المتطورة وما يعرف بالجينيوم إلى حدّ استدراج تريس ووقوعها في فخ مختبرات جينين، والبدء معها بإجراء ما يعرف بتجارب المحاكاة، حيث يتمّ الزج بها افتراضيا في ذكريات ماضوية عصيبة ومحن وقتال أعزل.

المخرج لم يرد أن يترك متعة بصرية ولا سمعية ولا سردا ولا حركة إلا وأتى بها من أجل إمتاع جمهوره

سلسلة أبدعت فيها عبقرية فريق العمل من ناحية المؤثرات البصرية والمونتاج والتصوير في الانتقال بنا إلى شتى العوالم المجهولة لبقايا تلك المدن المتآكلة، ولغرض إبراز البطولات الفردية لتريس.

في ما يتعلق بالسرد والبناء المكاني، نحن أمام نسيج سردي كثيف يحمل في بعض الأحيان تشويشا في مسار السرد وانسيابيته، فهنا ليس ثمّة حواجز بين الأزمنة وتختلط الأخيلة بالمشاعر النفسية العاصفة باللاوعي بتكنولوجيا الجينيوم والتحكم بالعقل، ويغدو المكان متشظيا إلى أماكن لا حصر لها في نسيج كثيف وغير محدد بنوع المشهد، بل إن المشهد سرعان ما ينتهي على ولادة مشاهد وأماكن غير مترابطة ولا محددة، بسبب كمية المادة البصرية التي تمّ ضخها في الفيلم.

في المقابل هنالك قدر من الشعرية المتدفقة في الفيلم مثل العلاقة بين تريس وأمّها، وافتراض أنها قد تسببت في موتها لتلاحقها تلك العذابات، فالملاحقون يتهمونها ثم يتسامحون معها، ومع ذلك ورغم الإغراق في التهويم المكاني والسرد متشعب الخطوط إلاّ أننا نعود بين الحين والآخر إلى مكان واقعي، كوخ كبير يضمّ أولئك الغرباء المطاردين المشردين الذين سوف تنتصر لهم تريس وصديقها ويخرجانهم من عبودية جينين.

كاميرا مدير التصوير الألماني فلوريان بالهاوس (منجز تصوير بارع لـ15 فيلما) تستحق وقفة خاصة فلا تعرف الصورة سكونا ولا رتابة، الزوايا المتعددة ومستويات التصوير والمشاهد المشبعة المتقنة بصريا هي علامات فارقة في هذا الفيلم.

هنالك أيضا كشف مكاني محمل بجمالية تعبيرية لافتة للنظر، والموسيقى أضفت أبعادا جمالية أخرى للفيلم ببراعة المؤلف الموسيقي جوزيف ترابانيس، وكأن المخرج لم يُرِد أن يترك متعة بصرية ولا سمعية ولا سردا ولا حركة إلاّ وأتى بها من أجل إمتاع جمهوره.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر