الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

عصر الإبداع

الجدة الراوية لا ينبغي أن تكون لها مدونة. والشاعر يضع شعرا عذبا يكتبه في ورقة يدسها في يد حبيبته. وبهذا نتكتم على الإبداع ونحفظ له خصوصيته.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/01/26، العدد: 10166، ص(24)]

لم يعد عندنا شاعر بارز. ليس هناك شاعر نتداول اسمه وننظر إليه بشغف ونتلقف ديوانه وننتظره. ليس لأننا محرمون من ظهور شاعر مبدع ولكن لأننا كلنا مبدعون، أو هكذا نظن. المواهب الخلاقة موجودة في كل العصور لكنها تتطلب جمهورا محايدا يسعد بأن يتلقى. تتطلب جمهورا يسعد بأن يصمت ويكتفي بأن يستمع ويطرب.

الذين يحبون الشعر ويتذوقونه صاروا كلهم يكتبون الشعر. الكل يرى أنه موهبة مطمورة. المشكلة هي أنه لم يعد ينتظر من يكتشفه. يأخذ بزمام المبادرة وينشئ صفحة لإبداعاته على الإنترنت عبر مدونة أو صفحة فيسبوك ويصير شأنه شأن بدر شاكر السياب.

حين تكون في الشارع أو في ميدان عام والناس تموج وتروح وتجيء، تأكد أنك لو رميت بحجر فلا بد أنك ستجرح شاعرا أو رساما أو مغنيا. الكل مبدع وخلاق.

هناك اليوم الملايين من المغنين يذيعون أغانيهم على اليوتيوب. كل من حصل أو استولى على عود أو أورغ يسجل لنفسه مقطوعة من المواء ويضعها على يوتيوب ويدخل في روعه أنه عبدالوهاب، وبهذا يصير ندا للمطربين لا مستمعا معجبا.

يحمل يوتيوب الآلاف إلى الاستماع لشدو مغنية صغيرة يصيب المستمع بالكآبة. تصير الفتاة مطربة، ينبغي أن يكون المستمع إليها أمها أو خالتها لكي تتحملها. تنظر إلى الإحصاء المدون إلى جانب أغنيتها فتجد أن هناك ألف إنسان وأكثر قد استمعوا إليها. وليس معقولا أن تكون لها ألف خالة.

الإبداع والقدرة على التأليف ملازمان للإنسان. في كل أسرة هناك جدة أو أم تجيد سرد القصص. معظم القصص من تأليفها أو فيها استطرادات من عندها تضاف إلى هيكل موروث. ويبقى إبداعها مختصا بإسعاد أحفادها وإرسالهم إلى مملكة النوم. وطبعا هذه القاصة الجميلة لا تكتفي بحسن الأداء السردي بل ترفقه بترانيم بسيطة وعبث هادئ بشعر الطفل المستلقي في حضنها، إلى هذا تجدها لا تقارن نفسها بيوسف إدريس ولا تزعم أنها أقدر من نجيب محفوظ. هذا إبداع لا يغادر حُجر النوم وليس مشاعا ولا ينبغي له أن يكون كذلك.

في القاهرة، دعاني صديق مصري إلى مقاسمته ساندويتشات غدائه. منه عرفت أن صانعة الكفتة التي أكلناها هي عمته الحاجة زينب. الحاجة زينب صانعة كفتة ممتازة، وستظل كذلك. هي نفسها لا تريد أن تكون نجمة تلفزيونية في برنامج طبخ، ولا تصور نفسها في فيديو ليذاع على موجات اليوتيوب.

الحاجة زينب مبدعة لمن حولها من المعارف والأصدقاء وقد يصادف أن غريبا من بلد بعيد، مثلي، سيذوق كفتتها ويحمل لها التقدير والعرفان ويحدث الناس بإبداع صنعتها، كما أنا أفعل الآن. لها صيت لكنه ليس في المجال العام. يحب كفتتها، وربما بأميتها أيضا، ناس مهمون، هم الأهل والأصدقاء، وهي سعيدة بذلك.

الجدة الراوية لا ينبغي أن تكون لها مدونة. والشاعر يضع شعرا عذبا يكتبه في ورقة يدسها في يد حبيبته. وبهذا نتكتم على الإبداع ونحفظ له خصوصيته.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر