الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

الاربعاء 20 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10757

حكومة الصفر 'حل'

ليس من حق أي حكومة لا تملك أدوات الحل وآليات التسوية الاجتماعية والاقتصادية أمام أزمات معيشة جلية وآنية أن تتحدث عن توظيف 'الأطراف الدخيلة' لفعل الغضب الجماهيري.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/01/27، العدد: 10167، ص(9)]

أسبوع مرّ على اندلاع الاحتجاجات في محافظات العمق التونسي وحكومة التوافق الرباعي لا تزال تطبق مشروع “اللامشروع″ مصرّة على تحويل وجهة الغضب الشعبي من جوهر الاستحقاق الاجتماعي والاقتصادي إلى هامش “التوظيف” السياسي أو الأيديولوجي.

خلال أسبوع أبرزت حكومة الحبيب الصيد أنّها حكومة “الصفر حلول” حيال الملفات الجوهرية، وأنّها لا تملك سوى سياسة التصبير لشعب وقع ضحيّة استثمار فقره وجوعه في عناوين انتخابية جوفاء.

وخلال أسبوع فقط سقطت حكومة الصيد في سقطات اتصالية كبرى تثبت لا فقط افتقادها لـ”سياسة اتصالية” واضحة وإنّما أيضا، عجزها عن اجتراح الحلول قبل تسويقها للداخل قبل الخارج.

فبعد الخطأ الاتصالي للناطق الرسمي باسم الحكومة خالد شوكات في الإعلان عن خلق 5 آلاف موطن شغل في محافظة القصرين الأمر الذي نفاه وزير المالية سليم بسباس، مؤكدا أنّ الدولة عاجزة عن تلبية استحقاق التوظيف والتشغيل لطالبيه الذين يعدّون بنحو 760 ألف عاطل عن العمل في الجمهورية الثانية، كانت الطامة الاتصالية الثانية متجسدة في رفض الخارجية التونسية لتصريحات المنصف المرزوقي العدائية لدولة الإمارات العربية المتحدة قبل أن يعتبر الحبيب الصيد أنّ “حريّة الرأي” مكفولة للجميع وأنّ المرزوقي حرّ في مواقفه.

لن نناقش متن تصريح الصيد حيال المرزوقي حتّى وإن كنّا نعتبر أنّ من واجب رجالات الدولة والفاعلين السياسيين المتداولين على الحكم أن يتعاملوا بثقل مصالح الدولة التونسية ومصلحة الجالية في الخارج، وأن يفصلوا بين الرأي الذاتي والموقف المعلن لشخص كان بالأمس رئيسا للجمهورية التونسية، بيد أنّ المفارقة القائمة بين بيان مؤسسة الخارجية ورئاسة الحكومة تكشف عن اضطراب في الأداء واهتزاز في الدور.

وبنفس الغشاوة في الأفق والإستراتيجيا، كانت كلمة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ومعها خطاب رئيس الحكومة الحبيب الصيد تعبيرا جليا عن الحضور بالغياب، حيث اكتفى بالتشخيص والتوصيف دون أي اعتبار بأنّ دور الفاعل السياسي الحقيقي كامن لا في إعادة استقراء الواقع للجمهور وإنما في تغيير الواقع أمام الرأي العامّ.

وليس من حقّ أيّ حكومة لا تملك أدوات الحلّ وآليات التسوية الاجتماعية والاقتصادية أمام أزمات معيشة أن تتحدث عن توظيف “الأطراف” الدخيلة لفعل الغضب الجماهيري، فوظيفة الدولة أن تمنع التوظيف لمشاكلها الداخلية واستحقاق السلطة أن تنزع فتيل أزمة متراكمة جغرافيا وتاريخيا واجتماعيا، وأن لا تلقي اللوم على المستثمرين في الفشل الرسمي لحكومات ما بعد 14 يناير.

تونس اليوم مفتوحة على كافة الفرضيات من “الانقلاب على الانتخاب” إلى “الانتخاب على الانتخاب”، وقد تكون الاحتمالية الأكثر تحمّلا للبلاد والعباد كامنة في إنقاذ حقيقي مبني على عقد اجتماعي جديد قائم على مبدأ أنّ الشرعية السياسية ليست قصرا شرعيّة التصويت وإنّما هي شرعيّة إنجاز الوعود الانتخابية التي بمقتضاها تمّ الاقتراع.

وكما تعمل الحكومة على تحويل وجهة النقاش من مركزيّة الخبز والعمل إلى هامش “الاندساس”، يعمل المنصف المرزوقي على اختطاف الحراك من موضوع “المعادلة الصعبة” بين الأمن والحرية وإكسير الخبز اليابس، إلى التصويب السياسي على دول عربية وإقليمية تحتاجها تونس في قمّة البحث المحموم عن الاستثمار الغائب.

تصدير الأزمة سواء للمندسين أو للقوى الخارجية ليس سوى تعبير عن الضعف في خلق الحلّ، وإقرار بأنّ البلاد باتت ملعبا مفتوحا لكافة اللاعبين، وهو عنوان إدانة لمن كان بالأمس على رأس السلطة في تونس. بين “تصفير” الحلول وتصدير الأزمة وتصبير الشعب، لا يبدو أنّ الحكومة الحالية تمتلك أجوبة حقيقية عن أسئلة تونس أين وتونس إلى أين؟

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر