السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

مترجم غير خائن

ما يجعل عمل المهدي أخريف استثنائيا، في ما نظن، وذا خطورة بعيدة، أنه يقرب تجربة إبداعية لا يمكن أن توصف بأقل من كونها نهضوية.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/01/27، العدد: 10167، ص(15)]

لـِمَ يختار شاعر ما أن يترجم لشاعر آخر؟ ثمة مآرب جليلة، ولا ريب، في التأتي لمثل هذا العمل، ليس أهونها خوض تجربة الراوي. فترجمة الشعر رواية بصيغة ما، نقل لأشعار الغير وإشاعتها بين القراء بلسانهم الخاص، كما أنها إقرار بالنسب الشعري، وتنويه بمصادره. أو لم يكن أهم الشعراء العرب رواة عظاما، وناقلين أوفياء، وحفاظا مهرة.

لكن، لعل الأجدر بالتأمل في منحى من هذا النوع هو القصد الفني، بمعناه الحضاري الذي يجعل من لحظة الترجمة لدى الشاعر، مقاما رؤيويا لقول شيء شديد الخصوصية والتعقيد، عبر نحت مفردات ومجازات وأسطر شعرية وطيدة الصلة بمعين تجربته الإبداعية، لكنها في البدء والختام نقل لجماليات شاعر غريب، وتقريب لرموزه وعوالمه المعنوية. هذا الشيء شديد الخصوصية قد يمتد من صيغة التعبير الشعري، إلى الثقافة، إلى الأفق الإنساني الحاضن، لكنه في نهاية المطاف كشف عن قيمة استثنائية التقطتها عين الشاعر /القارئ وارتأى في قولها، وإشاعتها بلغته، إضافة للذاكرة الشعرية وللحس الجمالي في دائرة انتمائه اللغوي والثقافي الخاص.

تبادرت إلى ذهني كل هذه الأفكار، وأنا أتصفح آخر ترجمات الشاعر المغربي المهدي أخريف للشاعر الإسباني لويس مونيوس، وقد اختار لها عنوان “أشياء موضوعة لتجف تحت الشمس”، وهي الترجمة التي لا تخرج عن نطاق سعيه الدائم، منذ أكثر من ثلاثة عقود، إلى إيصال حالات جمالية غير شائعة، بيد أنها ضرورية، في سياق أدبي غلبت عليه الالتباسات، واشتدت حاجته إلى لقاحات فاعلة، كتلك التي يمكن أن تنطوي عليها أعمال أوكتافيو باث وفيرناندو بيسوا ولويس مونيوس وغيرهم من الشعراء الأسبان والبرتغاليين واللاتينيين، ممن ارتبط أخريف بشعرياتهم الفريدة.

ولا يخامرنا شك بأن مجمل ما تضمره الأعمال المترجمة للمهدي أخريف لا تكتسي أهميتها -فقط- من الرجة التي أحدثتها في أوساط التلقي الشعري في المغرب والعالم العربي، فذاك تأثير على أهميته يتلاشى مع تعاقب الترجمات، لكن ما يجعل عمله استثنائيا، في ما نظن، وذا خطورة بعيدة، أنه يقرب تجربة إبداعية لا يمكن أن توصف بأقل من كونها نهضوية، ونكاد نشبه تأثيرها المحتمل بوقع شعريات تأسيسية ترجمت خلال النصف الثاني من القرن الماضي، امتدت من بودلير إلى أبولينير ومن رامبو إلى إليوت، بل لعل المشابهة قد تبدو أكثر إيحاء، حينما نربط ترجمة المهدي أخريف بسياق ترجمات مؤثرة انخرط فيها شعراء متحققون، تواترت ترجماتهم مع استرسال اجتهادهم الشعري، من حافظ إبراهيم إلى سعدي يوسف، ومن أحمد رامي إلى عبداللطيف اللعبي… دون أن يدل هذا الولع على تآمر، ومن غير أن يتحولوا يوما إلى خونة.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر