الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

مواهب صغيرة

كثر هم الأطفال الذين أظهروا نبوغا في طفولتهم سرعان ما تحول إلى عجز واستكانة في الشباب، وبعض النبوغ استفاد منه الإرهاب أو المافيات والعصابات.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/01/27، العدد: 10167، ص(24)]

أن تخرج على الناس طفلة في الثانية عشرة من عمرها، وتقف أمام الكاميرا، وتغني بصوت استثنائي موال “برضاك” للسيدة أم كلثوم، فتطرب القاعة والجمهور، وتصبح مثار إعجاب الملايين من العرب، وأن يخرج مثلها شاب في العاشرة فيغني لمحمد فوزي أو لمحمد عبدالمطلب، ويصدح طفل آخر بأغنية لصباح فخري أو وديع الصافي أو ناظم الغزالي، فلا يخطئ ولا يرتبك ولا ينشّز، وأن نجد أنفسنا أمام أطفال ينهلون من الموروث الغنائي والموسيقي متجاوزين بذلك كليبات وأغنيات زمن الصرارير والزرازير والذوق الفقير، فعلينا أن نبني على الظاهرة.

أولا لأن بلداننا العربية تعج بالمواهب الحقيقية القادرة على نشر البهجة والفرح والحب والجمال.

وثانيا لأن هذه الظاهرة تؤكد لنا أن الإحاطة بالطفل من قبل الأسرة هي التي تبرمج عقله وتحدد مساره وتبني شخصيته، وأن المدراس والنوادي يمكن أن تقوم بدور مهم في رسم ملامح شخصية الطفل، وكذلك وسائل الإعلام عندما تترك حيزا ولو صغيرا للجدية والأصالة والعمق والاحترام.

وثالثا يمكن أن نواجه بهذه الطفولة المبهجة بمواهبها الفنية والعلمية والثقافية ظاهرة أطفال الإرهاب الذين تدربهم مخيمات أشبال الخلافة سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا أو اليمن، وتمنحهم شهادات تخرّج برتبة ذبّاح أو سفّاح أو قابض أرواح، أو الذين يتسرب إليهم الظلام في أغلب الدول العربية من خلال جمعيات مشبوهة ومدارس موبوءة ومناهج معادية للحياة وتراث يضجّ بالدم والكراهية.

وكم أتمنى لو أن جامعة الدول العربية أو إحدى الدول العربية أو بعض الدول العربية تتبنى مشروعا قوميا لفائدة أطفال العرب الموهوبين في مختلف المجالات، عبر نظام دراسي خاص، ومناهج علمية مبتكرة، وإحاطة نفسية واجتماعية استثنائية، وتحت إشراف خبراء وأخصائيين موثوق بهم وبتجاربهم، وبالتعاون مع مؤسسات دولية متخصصة، لأن مشروعا كهذا سيقدم لنا خلال أعوام قليلة نتائج مبهرة، وسيعطي تلك المواهب فرصا للنجاح والتألق بعيدا عن حالة الغباء المستشري والجهل المنتشر والتخلّف القسري الذي نعاني منه في مدارسنا ومؤسساتنا ووسائل إعلامنا.

كثر هم الأطفال الذين أظهروا نبوغا في طفولتهم سرعان ما تحول إلى عجز واستكانة في الشباب، وبعض النبوغ استفاد منه الإرهاب أو المافيات والعصابات، والبعض الآخر قاد أصحابه إلى نهايات مأساوية، فقط لأنه لم يجد الرعاية والعناية والحماية، وانتقل من طاقة إيجابية قادرة على البناء والعطاء إلى طاقة سلبية تدمر نفسها وما حولها.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر