الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

اترك قـمرنا يا حـوت

مثلما علمتنا جدّاتنا التفاؤل بالهلال.. علّمننا أيضا أن نتشاءم من خسوف القمر.. فقد روين لنا أن الخسوف يحدث حين يصعد إلى السماء حوت كبير ويبتلع القمر.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/01/27، العدد: 10167، ص(21)]

ظلّ القمر في موروثنا الشعبي والغنائي رمزا للجمال والحب والأمل.. مثلما ظلّ غيابه رمزا يشير بأصابعه إلى المحن والظلم واليأس الذي يطول.. فيـُفتقد “البدر في الليلة الظلماء”.. ويطول ويحلو السهر في الليالي المضيئة حين يأتلقُ القمر ويكتمل.. وتأتي بشائر الخير ببزوغ هلاله في أول الشهر القمري.. وباستبشارنا حين نراه ونحن برفقة حبيب أو قريب يجلب لنا الأمل بشهرٍ من فألٍ حسن..

فمهما شدّنا الواقع بعلميّـته ومهما قرأنا وتعلّمنا وغصنا عميقا في بحور المعرفة.. يبقى لسحريّة الخرافة في موروثنا الشعبي أثر في نفوسنا يجعلنا نتشبّث بتفاصيلها الصغيرة للمتعة والضحك ربما.. أو لإيمان مطلق وعقيدة متوارثة..

ومثلما علمتنا جدّاتنا التفاؤل بالهلال.. علّمننا أيضا أن نتشاءم من خسوف القمر.. فقد روين لنا أن الخسوف يحدث حين يصعد إلى السماء حوت كبير ويبتلع القمر.. ويكون لزاما علينا جميعا أن نصعد إلى سطوح البيوت مصطحبين الصواني والقدور لنضرب عليها ونحن نستصرخ الحوت أن يترك قمرنا لشأنه ويمضي.. فننشد الأهزوجة بصوت واحد “ياحوتة يا منحوتة.. هِـدّي كَمرنا العالي.. وإن كان متهدّينه.. ندكَلج بصينية”.. فيخاف الحوت من ضربات كفوفنا على الأواني المعدنية.. ويمضي بعيدا تاركا لنا قمرنا لينير ليالينا..

وتقول الأسطورة الشعبية إن هولاكو قائد المغول حين كان في طريقه لغزو العراق بجيوشه وعدّته وعتاده.. مرّ بقلعة الموت في إيران (قلعة آلموت).. وكان من بين سكان تلك القلعة الفقيه والفلكي والفيلسوف الخواجة نصير الدين الطوسيّ.. وإذ بطش هولاكو بسكان القلعة حاول الطوسيّ أن يقنع القائد أن يبقي عليه فينفعه بعلمه وواسع معرفته.. وحاول أن يقدّم له الأدلة والبراهين على ذلك دون جدوى.. حتى أبلغه بأن في الليلة الفلانية سيبتلع القمر حوت كبير.. وبأنه سيشهد ذلك بأمّ عينه.. فأبقاه هولاكو في سجنه علّه يثبت أنه عالم إن اختفى القمر في تلك الليلة المزعومة.. فإما أن تصدق نبوءته فيعفو عنه ويكرمه.. وإما أن يكون كاذبا فيقطع رأسه..

ويصدف إذ تحلّ ليلة خسوف القمر.. أن يستبدّ برأس هولاكو الشراب فيسكر ويغطّ في النوم.. ولا يجرؤ على إيقاظه أحد.. وأمام رعب الطوسيّ من أن يفقد حياته.. سرّب لحرس السجن أن الحوت الذي ابتلع القمر لن يتركه إلا إذا خرج الناس جميعا وضربوا على الصواني والقدور ليفزع ويخاف.. وما كان من الناس إلا أن فعلوا ذلك فخرجوا إلى الشوارع والسطوح مردّدين الأهزوجة بصوت واحد..

وبدل أن يفزعَ الحوت.. توقظ أصوات الطرق والأهازيج نوم هولاكو ليشهد بعينيه خسوف قمر تلك الليلة.. فيكرم الطوسيّ ويجعله أحد مستشاريه ويصحبه معه إلى بغداد.. ويكون واحدا ممن حافظوا على التراث العلمي هناك..

تحضرني هذه الحكاية التي لم يثبت صحّتها التاريخ وأنا أرى ليل العراق الذي طال خسوف قمره وامتدت لياليه الظلماء فافتقد الناس بدره عقودا.. ويلحّ في خاطري السؤال: هل يجدي أن يخرج العراقيون اليوم متحدين إلى الشوارع ويصعدون إلى السطوح بصوانيهم وأوانيهم وقدورهم فيقرعوها ويستصرخوا الحوت بصوت واحد فيفزع؟.. ألن يجدي أن نحرّف الأهزوجة قليلا فنحرّض الحوت أن يترك قمرنا وأن يبتلع عوضا عنه ظلم هولاكو الذي ظل يتناسل في أرضنا.. فينتهي زمن الخراب إلى الأبد؟..

صباحكم أمل..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

:: اختيارات المحرر