السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

دوروثي سلهب فنانة جعلت من السيراميك وعاء لأحلامها

  • لا أدري لماذا ثمة شعور من الحزن الغامض يلفك حينما ترى أشياء معروضة صنعت يدويا بشغف كبير، وخاصة عندما تعلم أن صانعتها غادرتها باكرا وإلى غير رجعة، وبقيت هي، أي الأشياء المعروضة، متروكة لمصيرها الذي لم تحدده مالكتها الأصلية، في فضاء غريب عنها، تنظر إليك مُجتمعة، وكأن الروح بثت فيها، غير مبالية بنظرتك إليها، لأنك مهما أسقطت عليها من مشاعر وخيالات فلن تكون بقوة ودفء ما عاشته في مراحل التكوين بين يدي صانعتها اللبنانية دوروثي سلهب كاظمي.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/01/28، العدد: 10168، ص(16)]

فنانة جعلت من الطين مادة حية تعج فيها طاقة قوية

بيروت – 38 قطعة من السيراميك تختلف عن بعضها البعض في الشكل واللون والملمس، ولكنها تحمل خصوصية واحدة منبثقة من الخلفية الفنية والشخصية للفنانة اللبنانية دوروثي سلهب كاظمي، حيث تصرّ صاحبة الصالة أليس مغبغب على أنها لن تبيع هذه الأعمال إلاّ كمجموعة فنية متكاملة تحمل إمضاء فنانة واحدة. ربما يجب على متحف “سرسق” أن يقتني هذه المجموعة على خلفية أهميتها كأعمال تعود إلى رائدة فن السيراميك في الشرق بشكل عام وفي لبنان بشكل خاص.

ولدت دوروثي سلهب كاظمي عام 1942 في لبنان وتوفيت سنة 1990، مخلفة أعمالا مهمة في تاريخ الفن الحديث، بعد تلقي دروسها الفنية في كلية بيروت للبنات والأدب الإنكليزي في الجامعة الأميركية ببيروت، تابعت دراستها في معهد الفنون والمهن في كوبنهاغن عام 1964، ثم انتقلت سنة 1966 إلى العمل مع فنانة السيراميك الشهيرة غوت إركسن وثابرت بعد ذلك على تعميق تجربتها الفنية وتوطيد علاقتها مع تلك المادة الطيّعة التي أغرمت بها، ورأت فيها إمكانيات فنية لا حدود لها بعيدا عن منطق العمل الحرفيّ البحت.

سيراميك إسلامي

قالت الراحلة دوروثي سلهب كاظمي يوما في مجرى الحديث عن أعمالها السيراميكية: الأشياء، والأواني، والسجاد، لا يجب أن توضع في الخفاء بعيدا عن النظر، إنها أعمال فنية جعلت لتُرى بقدر ما هي أعمال يمكن استخدامها في حياتنا اليومية.

لدى عودتها إلى لبنان عملت وفق التقنيات التي اكتسبتها من دراستها وتجاربها، فتميزت أعمالها منذ تلك الفترة بافتتانها بفن السيراميك الإسلامي وإعجابها بالقطع الأثرية.

غادرت الفنانة الحياة باكرا، وهي لم تبلغ الخمسين من عمرها إثر ابتلائها بمرض السرطان، رُجح سبب إصابتها بهذا المرض لاستنشاقها المستمر لأبخرة المواد التي كانت تستعملها أثناء صناعة أعمالها.

بعد ثمانية أعوام على رحيلها، بادرت عائلتها إلى إقامة متحف يحتضن ما تبقى من أعمالها، أما متحف “سرسق” فقد أقام للفنانة معرضا استعاديا تكريما لها وذلك سنة 1992، وخصص جائزة مالية تمنحها عائلة الفنانة باسمها للفنانين الذين يشاركون في “معرض الخريف” الذي كان ينظم سنويا بعد اختيار أفضل عمل من اللجنة الفنية.

صوفية الدولاب

الأعمال المعروضة في صالة أليس مغبغب، هي لأوان وصحون وأكواب تعود صناعتها إلى السبعينات من القرن الماضي وصولا إلى سنة 1990. أعمال سيراميكية وفنية بكل ما تعني الكلمة من معنى، توضع أمام الجمهور للمرة الأولى بعد أن اقتنتها أليس مغبغب، صاحبة الصالة، من مالكها سامي كركبي الذي كان مولعا بعمل الفنانة، وأحد أهم الوجوه الثقافية في مرحلة لبنان الذهبية التي امتدت من أواخر خمسينات القرن الماضي إلى منتصف السبعينات، الفترة التي اندلعت فيها الحرب اللبنانية.

تقول أليس مغبغب صاحبة الغاليري إنها تأثرت كثيرا لدى رؤيتها لسامي كركبي منغمسا بخواطره وهو يتأمل بصمت كبير أعمال الفنانة وهي معروضة، وكأنه يحضر لافتتاح معرض ما، جرت فصوله منذ أكثر من عشرين سنة وبحضور الفنانة، إذ بدا وكأنه استحضر وجودها ومعالم الزمن الذهبي الذي شهد ولادتها كفنانة.

الفنانة غادرت الحياة باكرا، ويرجح سبب إصابتها بالسرطان لاستنشاقها المستمر لأبخرة المواد التي كانت تستعملها

اختار سامي كركبي أن يشارك زائري المعرض بشذرات من ذكرياته الشخصية، ساهمت بشكل كبير في استيعاب منطق الفن الذي مارسته دوروثي سلهب بشغف كبير حتى آخر سنة من حياتها.

كلماته عن الفنانة تجد أصداء عميقة في ما كتبه الفيلسوف- الشاعر غاستون باشلار عن شعرية الأرض ومادة الطين “المُحرضة على الحلم”، والفخار الطيّع المتماهي مع تقلبات الروح والجسد على السواء.

يقول كركبي: التقيت بدوروثي لأول مرة ببيروت سنة 1970، لم أكن ملما البتة بفن السيراميك، عند متابعتي لعملها ورؤيتي لمجموعة من القطع الفنية التي أنجزتها من المتكسرات السيراميكية أدركت كيف يمكن للسيراميك ألا يكون مجرد مهارة حرفية.

يسترسل كركبي: عندما قدمت لزيارتها في مشغلها البيروتي، قالت لي عن الدولاب الذي تستخدمه في تشكيل المادة، هذا هو الدولاب.. يملك إيقاعا خاصا به، كحلقات الماء أو الموج الذي يتحرك إلى ما لا نهاية.

بالنسبة لدوروثي، يضيف قائلا: الطاقة التي تنبعث من هذا الدولاب لا تقل صوفية عن حلقة الدراويش، إذ يأخذك الاثنان إلى أبعاد أخرى. ويضيف أيضا أن دوروثي قالت له في إحدى المرات: الطين هو مادة حيّة، تعجّ فيه طاقة قوية، يجب أن تحسن معاملته، أن تمدّه وتوسّعه وتكيّفه بمحبة ودراية، أجمل لحظات حياتي هي تلك التي أُخرج فيها القطع من جوف النار لأرى كيف تحوّل ما أرسلته إليها.

يكاد يكون كلام دوروثي سلهب تطبيقا عمليا دقيقا لما وصفه غاستون باشلار بقوله “العجينة الترابية ليست مجرد خلطة ماء وتراب، إنها بداية لرحلة خيالية روحية.. ينغمس فيها الحالم ليلغي ما بينه والكون بأسره من مسافة، عندما تحفّز تلك العجينة قدرة الابتكار لدى الحالم يؤدّي ذلك إلى شعور عميق بالسعادة”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر