الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

'النجم الأسود' يلتحف بابتسامته الجليدية

ثمة عوالم اختار الفنان بالفطرة أن ينجذب إليها دون غيره من البشر، حين نقول فطرة، فذلك يعني أنها، أي تلك العوالم الماورائية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/01/28، العدد: 10168، ص(16)]

لا تسأل إلاّ الفنان عن ماهية “النجم الأسود”، هذه حقيقة تعود إلى أبعد ما يمكن أن تذهب إليه ذاكرتنا الجماعية وإلى أعمق التصورات التي نمت على هوامش الكتب الممنوعة والقراءات التي تناولت الفن بشكل عام.

ثمة عوالم اختار الفنان بالفطرة أن ينجذب إليها دون غيره من البشر، حين نقول فطرة، فذلك يعني أنها، أي تلك العوالم الماورائية، اختارته حتى قبل أن يسلك طريقه إليها غير آبه بآراء الآخرين المُستنكرة.

الآخرون السائرون على السطور المُحبّرة بوضوح مشبوه على صفحات الوجود، بعيدا عن الهوامش، حيث تلمع المفارقات، وحيث يكمن المعنى في تعدد تجلياته الساحقة.

لا أدري كم من الأعمال الفنية التي حفرت في نفسي شعورين قد يكونان متابعدين في الظاهر، ولكنهما متقـاربان في حقيقتهما. فمن جهة هناك الشعور بالنفور من فداحة الألم أو القلـق المُظهر في تلك الأعمال، ومن جهة ثانية ثمـة افتتان بهذه الجرأة البطولية، لا بل الملحمية التي يتحلى بها الفنان ليخترق مظاهر الحياة العادية والأكثر نفاذا إلى صلب معنى: الحياة، والموت، وكل ما يدور في فلكهما من أفكار ومشاعر أو أسئلة وجودية.

أما الذي أعـاد إلى ذهني هـذه الأفكـار دفعة واحدة فهو رؤيتي للفيديو كليب الـذي حمل اسم “لازاروس”، جـاء ضمـن الألبـوم الأخير للفنـان- المغني ديفيـد بـوي الذي أطلقه قبل وفاته بيوميـن بعـد معاناة مع مـرض السرطـان، ظهـر الفنـان في الفيـديو كليب راقـدا على فـراش المـوت يغنـي أغنيـة المـوت والقيـامة على السواء.

اختار أن يخفي مرضه هذا، إلاّ على بضعة أشخاص، حتى الذين عملوا معه على تنفيذ ألبومه هذا، وعلى الفيديوكليبات المرافقة له، رأوا فيه حماسة منقطعة النظير لذاك الشاب الأشقر والنحيل الذي كانه والذي اعتاد عليه جمهوره، لذلك اعتبروا توعكاته الصحية التي كانت تصيبه أحيانا خلال التمرين أزمات عابرة.

قد لا يكون المرء من المعجبين بديفيد بوي، ولكن لا يمكنه إلاّ أن يشاهد ويسمع في ألبومه، الذي أنجزه وهو على شفير الموت وخلال 18 شهرا، إصرار فنان على اجتراح خلوده من صلب موته الشخصي، وإبداعه في أن يصنع من موته المرتقب استعراضا فنيا، لا بل وصية بصرية جارحة بالصدق وبجلاء البصيرة.

حمل عنوان ألبومه الأخير “النجم الأسود” أكثر من مبرر فلسفي انشغل به الفنـان منذ بـداياته، جـاء الألبـوم كمـا أراده الفنان، متـوّجا لحياة فنيـة صـاخبة دامت لأكثر من أربعيـن سنـة، وهـو أمام جمهوره على شفير الجرف المؤدّي إلى هـلاكه.

لا أنصح أحدا بمشاهدة الأغاني المصورة، فهي كسمّ ناصع البياض والمُجترع ببطء، وأنصح الجميع بمشاهدتها في ذات الوقت لأنها باهرة وتتماهى مع الموت والحياة: ازدواجية حادة؟ بالطبع، هكذا يكون التوصيف عندما يتعلق الأمر بالفن كزوبعة تعتمل دون تحفظ في أعماق نفس المتلقي لها، زوبعة تولد من خلفها شتى أنواع الانهيارات والتخيلات والتشكّلات أيضا، وحتما.

ألبومه باب يفتح على معنى الفن كهامش مُكهرب بالحقائق الجمّة، يعيدنا إلى بطولة الإنسان المدرك لموته، قال بوي في أغنيته “لن ينساني من عرفني بعد الآن، وسيعرفني من الآن من لم يكن يعرفني”.

إنه ألبوم مصمم ككبسولة خلود ينتشر فيها الفنان في فضاء الذاكرة البصرية والسمعية، فلا يموت موتا نهائيا، وهو الذي استهواه انتحال شخصية الرجل الفضائي منذ بداية حياته الفنية.

في أحدى مقاطع ألبومه “يلتحف” المغني بدلة فضائية تحت ظل بزوغ “النجم الأسود”، ولا يموت إلاّ قليلا، يذكرني ذلك كثيرا بالروائي ميلان كانديرا حين قال “أن تحيا.. ليس هناك ما يبعث على السرور، أن تحيا.. حاملا معك ذاتك المتألمة في مسيرة الحياة، ولكن أن تكون، هذه هي السعادة. أن تكون؛ أي أن تصبح نبعا فوّارا يتدافع الكون عليك، تماما كما تنهال الأمطار الدافئة”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر