الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

في عواصم التفاوض

المفارقة أنّ العواصم العربية كانت ولفترة قصيرة سابقة تمثّل نقطة التقارب والتقاطع بين فرقاء البلد الواحد بل وبين الدول العربية المتحاربة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/01/29، العدد: 10169، ص(9)]

باتت العواصم الغربية محطة التقاء وتواصل بين فرقاء الوطن الواحد، بعد أن استحالت الجغرافيا العربية مجالات للهويات القاتلة وللعواصم الرديفة وللسلطات الهجينة ما بعد الربيع العربي.

وكما جمعت باريس شيخي السياسة التونسية الباجي قائد السبسي من جهة وراشد الغنوشي من جهة ثانية، وكما فتحت جنيف أبوابها للفرقاء اليمنيين، ها هي تشكّل وللمرة الثالثة على التوالي ساحة نقاش وتداول بين الإخوة الأعداء من أبناء الشام.

المفارقة أنّ العواصم العربية كانت ولفترة قصيرة سابقة تمثّل نقطة التقارب والتقاطع بين فرقاء البلد الواحد بل وبين الدول العربية المتحاربة، كانت مدينة الطائف السعوديّة في 1989 محافظة المعجزات السياسية حيث أنها احتضنت حوارا أقرب إلى السلاح منه إلى الكلمات بين المتناكفين اللبنانيين أفضى في المحصلة إلى وضع حدّ لحرب أهلية ضروس استمرت بين 1975 و1989.

كما مثلت القاهرة في 1970 عاصمة تطهر ثوري بين النظام الأردني من جهة، والفصائل الفلسطينية من جهة ثانية بعد أيلول الأسود ولعب حينها الرئيس جمال عبدالناصر دورا بارزا في جسر الهوّة بين الطرفين المتناحرين، ونفس الأمر تقريبا جسّدته مكة المكرمة في يناير 2006 حيث احتضنت اتفاق مصالحة بين حركتي فتح وحماس لم يستمر سوى أشهر قليلة قبل إجهاضه من قبل حماس بانقلاب عسكريّ في قطاع غزة صيف 2007.

وفي كافة المراحل كانت العواصم العربية تعمل جاهدة على تسوية المشاكل البينية ضمن الحاضنة القومية ودون خروج إلى العواصم الغربية.

والحقيقة التاريخية في هذا المفصل التحليلي كامنة في أنّ الدول الغربية كانت ملجأ الأطراف العربية الساعية إلى التطبيع السرّي ومن ثمة العلني مع إسرائيل في ظلّ رفض رسمي عربي استمر إلى حدود التسعينات من القرن المنصرم لتسوية جزئية أو شاملة مع إسرائيل دون استرداد الحدود الدنيا من الحقوق المسلوبة.

لذا فلم يكن من الغريب نظرا للهوة السحيقة بين العرب، شعوبا وأنظمة، وإسرائيل أن تحتضن أوسلو أوّل اتفاق تاريخي بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في 13 سبتمبر 1993 وأن تجرى المحادثات العربية (الأردنية الفلسطينية السورية) الإسرائيلية في نيويورك كمحطة أولى، ومدريد كمحطة ثانية في عام 1991.

كان المغزى السياسي من اجتباء عاصمة “التفاوض” واضحا وجليّا، فلا أرض عربية تقبل احتضان حوار عربي إسرائيلي، مباشر كان أو غير مباشر، ولا وجود لأرض عربية ترفض استقبال المتفاوضين العرب لحقن الدماء المراقة.

كان هذا هو الأصل لعقد من الزمان فقط، قبل أن تتشظى العواصم العربية على وقع الاصطفافات السياسية والاستراتيجية وقبل أن يحكم منطق الثنائيّة التناقضية العلاقات العربية البينية.

فقد الفاعل الرسميّ العربي قوّته المرجعيّة بفقدان المشروع الوطني الجامع من جهة أولى، وبرحيل عصر الزعماء الأوائل من جهة ثانية، الأمر الذي حوّل العرب إلى لواحق رسمية لمشاريع إقليمية كبرى تبدأ من “الفرسنة” و”العثمنة”، ولا تنتهي عند “الأسرلة” و”الأمركة” وعلى ضوئها ازدادت الهوّة السياسية بين المفعول بهم سياسيا واستراتيجيا على أرضهم.

وهو واقع انسحب على المنتظم الإقليمي العربي الذي باتت اجتماعات قمّته الدوريّة فضاء لـ”إدارة الصراع” لا لتسويته، ناهيك عن دعم العمل العربي المشترك كما تنصّ لوائحه التأسيسيّة.

المفارقة أنّ سوريا حاليا باتت أرض حرب بين السوريين أنفسهم بعد أن استحال العالم العربي وقود استمرار واستدرار لنار شامية لم تنطفئ منذ 5 سنوات، في حين أن جنيف صارت محـجّـة السوريين للتفاوض والمهادنة، وفي حال فشل حوار جنيف في الوصول إلى مخرجات للمعضلة السورية يعود ذات السوريين إلى أرضهم لاستكمال الحرب عساها أن تحسّن شروط التفاوض في أرض هدنة غربية أخرى.

لذا فليس من الغريب أن تفرض واشنطن على المعارضة السورية الالتحاق بطاولة التفاوض في جنيف، وأن تعلن موسكو، قبل دمشق، أن وليد المعلم سيرأس وفد بلاده في الحوار.. ذلك أنّ الذي يخرج من بلاده يفقد مقومات الإدارة والسيادة والقيادة، والذي يعجز عن حوار داخلي في أرضه أو في أرض جيرانه يُقادُ كرها إلى تفاوض في أرض غريبة غربية، ويفرض عليه شروط اللاعبين الكبار في أرضه ومائه وجوّه أيضا.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر