الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

الاثنين 20 فبراير/شباط 2017، العدد: 10549

ظاهرة صوتية اسمها... المرزوقي

عالمنا العربي يموج بالكثير من هؤلاء الديماغوجيين، الذين لم يعد لهم وجود تقريبا في عالم السياسة سوى في دول ومناطق لا تزال مبتلاة بهم

العرب سالم الكتبي [نُشر في 2016/01/30، العدد: 10170، ص(9)]

لم استغرب ما تفوه به منصف المرزوقي، الرئيس التونسي السابق، الذي جلس لفترة على كرسي الرئاسة التونسية ولم يترك أثرا ولا بصمات تذكر، بل كان نموذجاً للفشل والارتجال السياسي والتخطيطي، فالرجل يبحث عن الأضواء السياسية والإعلامية التي ابتعدت عنه، بعد اللطمة التي تلقاها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ولكنه يأبى أن يعود إلى كرسي العلم (بحكم خلفيته الأكاديمية) بل آثر إطلاق العنان للسانه منذ أن حصل على “تعليمات جديدة”، وتولى رئاسة كيان هلامي يدعى “المجلس العربي للدفاع عن الثورات والديمقراطية” جمع فيه بعض تجار الثورات في دول المنطقة مثل الإخوانية توكل كرمان وأيمن نور.

اليوم يدافع المرزوقي عما يسميه بثورات الشعوب العربية، وهو الذي كتب مقالات عدة عبر فيها عن عدم إيمانه بثورات الشعوب وأن تغيير ما وصفه بـ”الأنظمة الدكتاتورية العربية” لا يكون إلا بقوة خارجية، بل إن المرزوقي رفض حين كان رئيساً لتونس وجود ما سمي وقتذاك بروابط حماية الثورة، والآن يعود ليعلن قيام رابطة لحماية الثورات وليس ثورة واحدة.

في حديث متلفز له مؤخراً، اتهم المرزوقي الإمارات بأنها “عدوة للثورات العربية وتمول الانقلابات وتؤسس الأحزاب”، وهي تخرصات قوبلت بإدانة من الأوساط السياسية التونسية قبل الإماراتية، حيث أصدرت وزارة الشؤون الخارجية التونسية بياناً شجبت فيه تصريحات المرزوقي، واعتبرت أنه “عمد إلى إقحام دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة في ما يحدث من أوضاع في المنطقة العربية”.

لن أفند أو أقوم بتفكيك أكاذيب المرزوقي تجاه الإمارات، فالرجل يؤدي مهمة مدفوعة مسبقاً، ويخوض جهاد كلامياً أسند إليه ممن يعمل لحسابهم، فالمرزوقي الذي يشجع، أعمال العنف التي تهدد الأمن والاستقرار في تونس، زاعماً أنه يساند الاحتجاجات ولكن في إطار السلمية والحفاظ على الأرواح والممتلكات، هو ذاته الذي يتهم دولة الإمارات بالوقوف ضد الاستقرار في تونس، ولا ندري كيف يشجع الاحتجاجات في مثل هذه الظروف الملتهبة، وهو يرى بلاده تكاد تحترق وتغرق في دوامة الفوضى والاضطراب.

المرزوقي الذي يجيد المزايدات السياسية والفكرية على الآخرين، استغل هذه الفرصة للهجوم على الرئيس التونسي الحالي الباجي قائد السبسي متهماً إياه بعدم تنفيذ وعوده، وأن الشعب التونسي قد صبر عاما كاملا من أجل تنفيذ وعود الرئيس، ونسي المروزقي أنه جلس من قبل على كرسي الرئاسة لمدة 3 سنوات و18 يوماً ولم يحصل الشعب التونسي منه على شيء بخلاف الخطب الرنانة والكثير من الإشكاليات التي تسبب فيها خلال فترة حكمه، وأبرزها ظهور تنظيمات الإرهاب وتفشي التطرف، بل إنه مسؤول بدرجة كبيرة عن تفاقم الإشكاليات التنموية خلال السنوات الثلاث التي تولى خلالها حكم البلاد.

لمن لا يعرف، فإن المرزوقي قد اعتاد في السنوات الأخيرة حياة الأضواء والإعلام، ولذا فقد عانى موجة غضب عارمة إثر فشله السياسي وانحسار الأضواء عنه، وهو ما دفعه في يونيو الماضي إلى التوجه ضمن وفد ممن يسمون بالنشطاء إلى قطاع غزة على متن سفينة إغاثة إنسانية، حيث تم اعتقاله من قبل السلطات الإسرائيلية ثم الإفراج عنه في خطوة لم تكن سوى دعاية سياسية وتجارة بقضية إنسانية من أجل استعادة بريق الأضواء، لا سيما أن الرجل كان رئيسا لتونس طيلة سنوات ثلاث ولم يتخذ قرارا واحدا لنصرة غزة المحاصرة وربما كان قراره الوحيد هو طرد السفير السوري لدى تونس.

إحدى إشكاليات الساسة من نوع المرزوقي أنه يفتقر إلى مهارات القيادة والإدارة ويلجأ إلى أسلوب تعبوي أو شعبوي في الخطاب السياسي من أجل استقطاب مؤيدين ومتعاطفين، ومن المعروف أن هذا النوع من الساسة غير قادر على الحكم أو تولي أقل المناصب، فهم أقرب إلى ظاهرة احتجاجية منه إلى ساسة حقيقيين، وقد اعترف مؤيدوه أنهم تخلوا عنه في انتخابات الرئاسة الأخيرة لفشله السياسي لعدم مقدرته على تجاوز خطابه الشعبوي العقيم، ولكنه لم يتعلم من الدرس ويواصل المضي وفق الأدوات السقيمة ذاتها، فتارة يتهم الرئيس التونسي الحالي بالفشل، وتارة أخرى يتهم دولة الإمارات بالتآمر على بلاده، فالرجل في كل الأحوال قد ضل طريقه السياسي منذ أن تحول إلى دمية بين يدي جماعة الإخوان المسلمين، وارتضى أن تكون هذه الجماعة مطية لدخوله قصر الرئاسة التونسي.

المرزوقي الحالم بالسلطة منذ سنوات يمتلك تاريخا ملتبسا ومثيرا للشكوك، فقد وقّع في عام 2009، مع كثيرين، رسالة إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما يطالبون فيها بالتدخل لنشر الديمقراطية في دول الشرق الأوسط بالتعاون مع “الحركات الإسلامية المعتدلة”، وفي يونيو 2010 نشر مقالا بعنوان “أردوغان هذا الزعيم العربي المنتظر”، تغنى فيه بما وصفه بـ”عملاقية” رجب طيب أردوغان، معتبرا أن “أردوغان هو اليوم أفضل مرشح للانتخابات المصرية سنة 2011 وللانتخابات التونسية سنة 2014 ولأي انتخابات تقام هنا وهناك”.

تباهى المرزوقي بأنه كتب مقالا بعنوان “بالله يا إخوتنا الأتراك أعيرونا أردوغان”، وتساءل “من يملك الجرأة على أخذ القرار الوطني المستقل؟ من له قدرة الغضب على وضع لم يعد مقبولا إنسانيا؟ طبعا لا أحد وكل ما قدر عليه مستعبدونا بيانات باهتة واجتماعات روتينية واستعداد أمني غير مسبوق إذا تطورت الأمور في الاتجاه الذي يشكل الهاجس الأكبر”، وشاءت الظروف أن يتولى المرزوقي السلطة في تونس بعد ذلك بعام ونصف تقريباً، ويجلس على كرسي رئاسة هذا البلد العربي الشقيق ولكن لم نسمع له صوتاً، كما لم يقدم لغزة سوى صور اعتقاله مع أصدقائه “النشطاء”.

الرجل ظاهرة صوتية لا تستحق الدراسة ولا شغل أوقات الباحثين لأن عالمنا العربي يموج بالكثير من هؤلاء الديماغوجيين، الذين لم يعد لهم وجود تقريباً في عالم السياسة سوى في دول ومناطق لا تزال مبتلاة بهم. نصيحتنا للمرزوقي، أن يعود إلى وطنيته بدل التفوه بتخرصات ضد دولة الإمارات وقيادتها الرشيدة، التي لا تألو جهدا في سبيل الدفاع عن الشعوب العربية ومصالحها ومكتسباتها.

باحث وكاتب في القضايا السياسية – الإمارات العربية المتحدة

سالم الكتبي

:: مقالات أخرى لـ سالم الكتبي

سالم الكتبي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر