السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

رحلة تهجير السفارديم والموريسكين من الأندلس إلى المغرب

الباحث حسام الدين شاشية يتناول في كتابه الظروف والإشكاليات والوقائع التي أحاطت بعملتي طرد وتوطين الموريسكيين والسفارديم.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/01/31، العدد: 10171، ص(14)]

صفحتان من مخطوط موريسكي معاصر للطرد

كتب كثيرة صدرت عن عمليات طرد السفارديم والموريسكيين من الأندلس بعد سقوط الحكم العربي، إلا أن تلك الدراسات أغفلت القيام بدراسات مقارنة على صعيد العلاقة بين الجماعتين، على الرغم من وجود تقاطعات عديدة على هذا المستوى بينهم.

كتاب السفارديم والموريسكيون: رحلة التهجير والتوطين في بلاد المغرب 1492-1756 للباحث الدكتور حسام الدين شاشية، والفائز بجائزة ابن بطوطه لأدب الرحلة في أبو ظبي، هو إضافة هامة لسد هذا النقص، خاصة وأنه يعتمد في بحثه على المصادر الأصلية باللغات العربية والأسبانية والعبرية، سعيا وراء الإحاطة بجوانب هاتين الواقعتين، اللتين حدثتا بفارق يقارب قرنا من الزمن تقريبا.

أهمية الكتاب

تكمن أهمية الكتاب في مستويات عدة، حاول فيها الباحث شاشية أن يتجاوز ما سبق من دراسات، وذلك من خلال الدراسة المقارنة للزمن التاريخي الطويل لكلا المجموعتين، ما أتاح له تتبع تاريخهما في الأندلس بالاعتماد على تعدد الروايات، لا سيما منها روايات المجموعتين اللتين قلما جرى الاهتمام بها. ويشير الباحث في هذا الصدد إلى أهمية المراكمة التي عرفتها المعرفة التاريخية بخصوص هاتين الواقعتين في النصف الثاني من القرن العشرين، لا سيما منها الوثائق والمصادر الإخبارية الأسبانية، فقد أتاحت له الاقتراب أكثر من الصورة الحقيقية لما جرى في هذا التاريخ.

يتناول الباحث في هذا الكتاب الكثير من الظروف والموضوعات والإشكاليات والوقائع التي أحاطت بعملتي طرد وتوطين الموريسكيين والسفارديم، والكيفية التي تطور فيها الفكر الإقصائي في شبه الجزيرة الإيبيرية خصوصا، وفي أسبانيا عموما بين النصف الثاني من القرن الخامس عشر وبداية القرن السابع عشر، وما ترافق معها من عمليات تحويل ديني ودمج لهاتين الأقليتين في أمكنة التوطين.

يكشف البحث المقارن عن التشابه الكبير بين عمليتي طرد هاتين الأقليتين، على الرغم من تنوع زوايا النظر، لا سيما ما يتعلق منها بأسباب الطرد التي خرجت من إطار الفعل في الإنساني إلى الحيز الإلهي

أوجه التشابه

يكشف البحث المقارن عن التشابه الكبير بين عمليتي طرد هاتين الأقليتين، على الرغم من تنوع زوايا النظر، لا سيما ما يتعلق منها بأسباب الطرد التي خرجت من إطار الفعل في الإنساني إلى الحيز الإلهي. لكن الملكين الكاثوليكيين اللذين كانت عمليات الطرد تتم في عهدهما على أساس فكر استئصالي ديني سرعان ما تحولت سياستهما في وقت لاحق إلى تخيير السفارديم بين الطرد أو اعتناق الدين المسيحي، في حين أن فيليب الثاني اعتمد الفكر الاستئصالي الإثني، وذلك مع صعود الفكر الديني القائل بأن الطهرية الدينية ترتبط بتاريخ الفرد العائلي، ما جعل عملية التعميد غير كافية للاعتراف بمسيحية المعتنقين الجدد لها حتى ولو كانت صادقة.

ويخلص الباحث في دراسته لهذه الظاهرة التي سادت في منتصف القرن السادس عشر إلى ما نجم عنها من انقسام على مستوى المجتمع الأسباني بين مسيحيين قدماء ومسيحيين جدد، انعكست سلبا على إمكانية اندماج السفارديم والموريسكيين في المجتمع، فكانت عمليات الطرد لهما تتويجا لهذه السياسة.

لقد عبّرت هذه السياسة الإقصائية عمّا يسميه الدكتور شاشية بالهوية القاتلة، التي تختزل الهوية الأسبانية في الانتماء المسيحي، خاصة وأن هذه الهوية هي في جزء هام منها نتاج لحروب الاسترداد، حيث تشكل وعي الانتماء بها في إطار الصراع الطويل مع المسلمين. وعلى خلاف هذه الحال كان عامل الهوية وعامل الزمن من أسباب نجاح اندماج هاتين الأقليتين في المجتمع المغاربي، لكن دون أن يعني ذلك كما يرى الباحث حفاظهما على خصوصيتهما الثقافية، التي نجمت عمّا عاشته من تحويل ديني، وانتقال بين مجتمعين مختلفين.

دوافع البحث

عوامل كثيرة لعبت دورا مهما في اختيار موضوع الدراسة يحددها الباحث في مقدمة كتابه، بعضها يعود إلى ما كان يروى من حكايات عن الأندلسيين، أو ما كان يتعلق بأصل عائلته الأندلسي، أما الدافع الآخر فيتعلق باختلاط تاريخ الأندلس في المخيال العربي الإسلامي بالتضخيم والمبالغة حد الخرافة، في حين أنها بالنسبة إلى التاريخ اليهودي محكومة بالعداوة التاريخية التي يغذّيها الصراع الحالي بعد احتلال فلسطين. كل هذه الأسباب شكلت دوافع حقيقية لإعادة البحث وتنويع مصادره ومراجعه للوصول إلى بحث علمي، بعيدا عن أيّ هوية مغلقة لتحقيق موضوعية البحث ومصداقيته العلمية.

مقارنة للزمن التاريخي الطويل لكلا المجموعتين

ويؤكد الباحث في هذا الصدد أن عملية المقارنة بين تاريخي الموريسكيين والسفارديم هي أهمّ مناهج البحث، وذلك من خلال الاعتماد على الوثائق الرسمية والاقتراب من روايات الأشخاص الذين عايشوا الأحداث، أو كانوا قريبين منها، وصولا إلى تشكيل صورة عامة، ثم التدقيق في كل تفصيل فيها حتى تتشكل الصورة الكاملة لهذين التاريخين.

إن هذه المنهجية التي اعتمدها تهدف إلى للبحث في عدد من الإشكاليات تتعلق بديناميكية الطرد، وكيفية تطور الفكر الإقصائي في أسبانيا، إلى جانب التحويل الديني وانتقال أفراد الأقليتين بين عوالم دينية ثلاث، إضافة إلى عملية الاندماج وحدودها في المجتمع المغاربي.

قراءة نقدية

القراءة الأولى التي يقوم بها البحث هي قراءة في الدراسات السفارديمية كالبيبلوغرافيا والدراسات العامة، أو المتعلقة بالمغرب والجزائر وتونس، تتلوها قراءة ثانية في الدراسات الموريسكية تعتمد على نفس المصادر، ينتقل من شرح منهج البحث الذي يعتمده إلى صلب البحث متناولا في البداية الرواية الرسمية للطرد، كما ظهرت في الوثائق الرسمية وكتابات الكتاب الإخباريين من شعراء وأدباء موالين للدولة. لقد لجأ الباحث في دراسته إلى هذه المصادر لتفحص أهم الوثائق والكتابات المتاحة، وفقا لتاريخ الطرد الذي طال أولا جماعة السفارديم، حيث تشترك هذه الوثائق في ذكر أسباب الطرد بنفس الأسلوب والعبارات تقريبا، على أنها أسباب دينية تتعلق بتواصل العلاقة بين اليهود المعتنقين للمسيحية والسفارديم، إضافة إلى التأثير السلبي لليهود على المسيحيين.

على العكس من ذلك تكشف قراءة الباحث عن أن خلفية الطرد كانت تتمثل في السياسة الاستئصالية لليهود في أسبانيا. ولم تكن الأسباب التي قادت فيما بعد إلى طرد الموريسكيين مختلفة عمّا سبقها على الرغم من الإشكاليات التي ما يزال يطرحها حتى اليوم هذا الموضوع. وإذا كانت الوثائق الأسبانية الرسمية تبيّن أن العامل الديني كان من أهم مبررات الطرد للسفارديم، فإن هذا المبرر يستخدم لتبرير طرد الموريسكيين أيضا، إلى جانب اتهامهم بالتآمر على أمن المملكة.

روايات المطرودين

ومن أجل التعرف إلى وجهة نظر الجماعات المعنية بالواقعة، يبحث شاشية في مصادر المطرودين كما تجلّت في الرواية السفارديمية لهذا التاريخ مشيرا في هذا الصدد إلى ما تطرحه هذه الرواية من إشكاليات بسبب ما يكتنفها من غموض ربما يكون سببها أن الكتابة الإخبارية-التاريخية لم تكن من تقاليد الجماعة اليهودية التي كان جل اهتمامها يتركز على الدراسات التلمودية، في حين أن الكتابات التي ظهرت تفسرها على أنها كانت عقابا إلهيا على تخليهم عن التمسك بتعاليم دينهم.

أما ما يتعلق بالرواية الموريسكية فيشير الباحث إلى نفس الإشكاليات المتعلقة بغياب الكتابات الموريسكية عن هذا التاريخ، إذ لا يجد كتابا كاملا يتحدث تاريخ الموريسكيين إضافة إلى ما يلاحظه من رغبة عند الكتاب الموريسكيين لتغييب مرحلة ما قبل التوطين والمتعلقة بحياتهم في المجتمع الأسباني المسيحي، وذلك بسبب ما كانت تقوم به بعض الجماعات من استخدام تلك المرحلة وسيلة للحط من قيمة هذه الجماعة.

قلق الهوية عند المجتمع الأسباني كان السبب الرئيس في تراجيديا الطرد وهو القلق الذي عاشته مجتمعات أخرى قديما وحديثا ولم يغب عن مجتمعاتنا الحديثة حتى الآن

وما يستنتجه من قراءته في العديد من روايات الموريسكيين حول تاريخهم أن تلك الروايات تذهب في اتجاهين اثنين، الأول منهما يبالغ في مقاربة حادثة الطرد من زاوية القرار الإلهي، بينما يرتبط الاتجاه الثاني بتكوين الرواة ومكانتهم وبالجماعة التي كان الخطاب موجها إليها.

مسارات بين عالمين

ينتقل البحث لتعقب المسارات التي سلكها السفارديم والموريسكيون أثناء عمليات الطرد من الأندلس متبعا نفس المنهج السابق، إذ يبدأ بسرد الرواية الرسمية حول تلك المسارات بالنسبة إلى السفارديم، وهي مسارات متعددة، ومن ثم المسارات التي سلكها الموريسكيون والتي ذهبت باتجاهين الأول كان بريا نحو الأراضي المسيحية كفرنسا والثاني بحريا باتجاه مرسيليا ومدن أخرى في إيطاليا تقابلها طرقات سلكوها نحو الأراضي الإسلامية في المغرب والجزائر وتونس، في حين أن قسما منهم عادوا إلى موطنهم الأصلي بذرائع وحجج مختلفة.

مقابل هذه الروايات الرسمية يعود للبحث في المصادر التاريخية للسفارديم أولا ومن ثم في الرواية الموريسكية، التي تتحدث عن ظروف الخروج، ليخلص بعدها إلى مجموعة من الاستنتاجات تؤكد على تواصل شبكات العلاقات بين مختلف الفئات في شتاتهم، بما فيها العلاقات الاقتصادية وشبكات التواصل السياسي.

وبعد أن ينتهي من روايات الطرد يبحث في روايات التوطين المتعلقة بعمليات إدماج وتكييف الأقليتين في المجتمعات التي قامت باستقبالهم، وذلك من خلال مواصلة رحلتهم في محطتها الأخيرة بهدف التعرف إلى استراتيجية التوطين التي اتبعتها السلطات المستقبلة والأقليتان المطرودتان، والعلاقة التي نشأت بينها وبين المجموعات السكانية الأخرى. ويعتمد الباحث في دراسته هنا نفس المنهج الذي اعتمده سابقا عبر البحث في مصادر الروايات المختلفة للوقوف على جميع الآراء والتفسيرات. وفي الختام يؤكد الباحث أن قلق الهوية عند المجتمع الأسباني في تلك المرحلة كان السبب الرئيس في تراجيديا الطرد، وهو القلق الذي عاشته مجتمعات أخرى قديما وحديثا ولم يغب عن مجتمعاتنا الحديثة حتى الآن.

كاتب من سوريا

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر