الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

المراهقة الأيديولوجية

لقد خلا معجم الخطاب الأيديولوجي القومي اليساري المراهق من مفاهيم الحرية والديمقراطية والكرامة والمواطنة وامتلأ بمصطلحات المؤامرة والممانعة والصراع مع الصهيونية.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/02/02، العدد: 10173، ص(14)]

يدلل مسار وعي المثقف وموقفه من المشكلات الكبرى التي تعيشها الأمم بل والإنسانية على أن المرور بالمرحلة الأيديولوجية أمر جدّ طبيعي، هذا إن لم نقل بأنه ضروريّ، ومن النادر أن تجد مثقفا عربيا ذا شأن وحضور لم يمرّ بالمرحلة الأيديولوجية، والذي يدّعي مفتخرا عدم مروره بهذه المرحلة إنما يذمّ نفسه دون أن يدري، لأن في ذلك معنى الخلوّ من الهمّ.

فلقد تقاسمت الأيديولوجيات القومية: البعثية بأشكالها، والناصرية بمختلف فصائلها، والقوميون العرب وتحولاتهم، والسورية القومية بانشقاقاتها، والإسلامية (الإخوان المسلمون) وتنوعاتهم، والتحرير الإسلامي وتفرعاته، والشيوعية بانقساماتها وتعدّد أحزابها، أقول لقد تقاسمت هذه الأيديولوجيات ولاءات جلّ المثقفين العرب، حتى ليمكن القول إن المرور بالمراهقة الأيديولوجية تشبه تماما المرور بالمراهقة الجسدية بالنسبة للمثقف، وبخاصة بالنسبة للمثقف الكاتب أو المبدع. أجل، ولهذا فنحن واجدون أن جلّ الكتّاب الذين مرّوا بالأيديولوجيا سرعان ما تجاوزوها تماما كنوع من تجاوز المراهقة، ومن النادر أن نجد مثقفا معتبرا استمرّ في مراهقته الأيديولوجية بعد أن بلغ من العمر عتيّا.

غير أن تجاوز المراهقة الأيديولوجية لا يعني إطلاقا أن المثقف والمثقف الكاتب قد تنكر للهواجس السياسية والأخلاقية، لا يعني أنه أنزل عن ظهره هموم البشر، هموم المجتمع والإنسان، وإنما يعني تغيّر زاوية الرؤية إلى هذه الهموم والهواجس، رؤية مؤسسة على وعي مطابق موضوعي بعيدا عن الأفكار المسبّقة والأوهام، والانحياز الواقعي للمثقف لهموم البشر هو انحياز إلى ماهيته بالأساس، ماهيته التي تقوم على وحدة المعرفة والضمير.

و لقد خلق الربيع العربي وثوراته المختلفة المعيار الحاسم للتمييز بين المراهقة الأيديولوجية، والموقف المعرفي الأخلاقي عند المثقفين العرب.

ففي الوقت الذي وقف فيه من ظلوا غارقين في المرحلة الأيديولوجية إلى جانب الدكتاتوريات القاتلة والمخربة بحجة الانتماء إلى القومية العربية والقومية السورية واليسار السوفييتي، مدافعين عن أشدّ الممارسات فتكا في الشعوب موارين هويتهم الضيقة خلف الشعارات العظيمة، وقف الغارقون في المراهقة الأيديولوجية الدينية مع البديل الأصولي، وهذا يعني استبدال وسخ سلطوي بوسخ سلطوي آخر.

لقد خلا معجم الخطاب الأيديولوجي القومي اليساري المراهق من مفاهيم الحرية والديمقراطية والكرامة والمواطنة وامتلأ بمصطلحات المؤامرة والممانعة والصراع مع الصهيونية، تماما كما خلا الخطاب الأيديولوجي المراهق للإسلام السياسي من المفاهيم نفسها، ولكنه امتلأ بمصطلحات دولة الخلافة والشريعة وأهل الكتاب، إلخ. فيما وجدت النخبة المثقفة المتحررة نفسها في صراع حقيقي، منتمية إلى الحياة الجيدة، إلى أهداف البشر العميقة في التحرر والإنصاف والديمقراطية والكرامة.

ولقائل أن يقول أليست تلك المفاهيم التي ذكرت، من مفهوم المواطنة والحريّة والكرامة والديمقراطية، هي من قبيل المفاهيم الأيديولوجية؟

الجواب لا، لأنها لا تعبّر عن مصالح فئات ضيقة، وليست حجابا أيديولوجيا يخفي نزعة نحو التسلط، بل هي الأهداف الحقيقية التي اعتملت في نفوس البشر حتى لو عبّرت عنها بلغتها البسيطة. فلا يقف ضدّ أهداف البسطاء العميقة في حياة حرّة كريمة صوت باسم الدفاع عن الحداثة، ولا ينال من روح العصر والحداثة باسم مواجهة من لَبس الحداثة زينة وهو يمارس الهمجية، التي تعود إلى ما قبل القرون الوسطى، وهذا لعمري، ما يعبّر عن وحدة المعرفة والضمير.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر