الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

انس الإرهاب وركز على الأهم

في دول الخليج التي تنفق الملايين على الطرق والمولات التجارية وضروب الكوستا والستار باك وإشارات المرور وتخطيط الطرق يظل عبور الشارع مخاطرة مخيفة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/02/02، العدد: 10173، ص(24)]

أذكر مرة أن مراسلا لقناة إخبارية إنكليزية قال شيئا ذكيا. كانت المناسبة حادثا إرهابيا مروعا في مصر التسعينات. وبسبب الاعتداء أحجم الكثيرون عن السياحة في مصر، كما هو حاصل اليوم. المراسل الذكي خفف من هول الإرهاب مخاطبا البريطانيين قائلا في ختام تقريره: انسوا الإرهاب، فالخطر الدائم في مصر يكمن في عبور الشارع. وهذا كلام لا يصدق على مصر وحدها بل على كل الدول العربية.

كلام ذكي تدعمه الإحصائيات. عبور الشارع في بلادنا مخيف حقا ومغامرة كبرى. في القاهرة يبلغ بي الذعر من العبور حد أني أستأجر تاكسي من الجهة اليمنى للشارع، مثلا، ليأخذني ويستدير بي في أقرب دوار ويضعني في الجهة اليسرى. أشتري حياتي بخمسة جنيهات أو أقل.

قيد الدرس لدي الآن مشروع يقضي بزيارة الجانب الأيمن من شوارع القاهرة. وبعد ذاك أقوم بزيارة خاصة لأرى الجانب الأيسر. وعبور الشوارع ليس بالضرورة يفضي إلى الدهس. الخوف والرعب والتربص والضغط النفسي عوامل تؤدي إلى ارتفاع الضغط وأمراض القلب وقرحة المعدة وحتى تليف الكبد.

في دول الخليج التي تنفق الملايين على الطرق والمولات التجارية وضروب الكوستا والستار باك وإشارات المرور وتخطيط الطرق يظل عبور الشارع مخاطرة مخيفة. حاول أن تعبر شارعا في دبي أو الدوحة خارج الاختناق المروري. والناس هناك داخل سياراتهم ولا يعبر الشارع سوى العامل البلوشي أو الهندي، وهؤلاء طوروا مهارات مقتبسة من القطط. يجب أن يراهم المرء كي يصدق ما بلغوه من رشاقة وحرفية عالية أثناء العبور.

المسألة هي ليست أن الناس في بلادنا متوحشون وقليلو الذوق والإحساس، بالعكس نحن أكثر شعوب الأرض أريحية ولكن خارج السيارة. السائق الذي معك والمستعد لدهس طفل في الخامسة لكي يمر هو أولا، نفسه السائق حين يترجل لا يمكن أن يمر من باب قبلك. يقسم بالطلاق أنك لا بد أن تعبر قبله. وفي العادة تحصل مشادة يقسم فيها كل طرف أن الآخر يجب أن يمر أولا. وقد استنبطت شعوبنا قانونا عشوائيا ليبت في الأمر ويحسم النزاعات يقول “على اليمين”، أي أن الذي يقع على يمين المتكلم يمر أولا. ورغم هذا لا تنتهي النزاعات، وترتفع معها معدلات الطلاق وخراب البيوت ودعاوى النفقة وحضانة الأطفال.

يمين الطلاق نفسه يستحق وقفة، يعني تكون المرأة في بيتها منشغلة بتدبير شؤون البيت ويمكن أن يأتيها الطلاق في أي لحظة لأن أحدهم أصر على ألا يمر أولا رغم يمين الطلاق الصادرة عن زوجها.

كنت في تاكسي في القاهرة والسائق لا يتوقف عن الكلام وعن شتيمة السائقين الآخرين ورميهم بالتخلف وعدم احترام النظام. وسط هذا الحديث اعترضتنا إشارة مرور حمراء فلم يلق لها بالا واستمر في السير. قلت له مقرعا “صدعتني بكلام القوانين والالتزام وأنت تخالف الإشارة الحمراء”. فرد دون تردد “وهل أنا من الدنمارك مثلا. أنا متخلف شأني شأن الذين كنت أشتمهم”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر