الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

عشق الروح

روحها أقرب إلى روح طير شارد.. وقلبها أشبه بحمامة بيضاء تنشر السلام أينما حلّت.. إذا حضرتْ استحال الكون نوافير فرح.. وإن غابت حلّ الضجر والوجوم وأثقل الوجود وطأته مثل حزن طويل.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/02/03، العدد: 10174، ص(21)]

تمشـّط شعرها الناعم القصير وتضع شيئا من المساحيق على بشرتها السمراء الحنطيّـة.. ترسم بقلم الحمرة شفتيها وتخطّ كحلها بعجالة متجاوزة خطوط التجاعيد الخفيفة وهي تحاول تقليد لمسة جدتها التي ما تزال مكحلتها الفضية على قيد الحياة بعد رحيل صاحبتها بسنين..

تنظر إلى مرآتها بامتنان وتتمتم “شكرا لأنني جميلة جدا!” تلتمع عيناها وتشرق ابتسامتها.. ثم تضحك لعبارتها وتمضي وهي تشع حبا وألقا وحياة..

“ولكن البنت عادية جدا!”.. هذا ما قالتهُ أم العريس الموعود التي مرّت لتحتسي فنجان قهوتها في بيتهم فتتعرف عليها وعلى أهلها قبل ثلاثة عقود.. ولم تكن لتفهم ما الذي وجده ولدها في هذه الفتاة متوسطة القامة والجمال!.. لقد بدتْ لها أقلّ من عادية بينما كانت أسرتهم تعجّ بالجميلات الشقراوات الحمراوات من بنات الخالات والعمّات.. فما الذي جعل هذا الشاب الذكي المتعلم الوسيم الذي تلاحقه عيون البنات أينما مشى بخيلائه، وهو يدري بما حباه الله، أن يصعّر خدّه عن كل مَن حوله ليذوب عشقا وهياما بتلك الفتاة دون سواها؟.. عشقٌ أوصل الفتى إلى حافة الانتحار حين طال عناد والدته برفض ذلك الزواج..

“ولدي حبيبي.. كنت ستنهي حياتك من أجلها.. فما الذي وجدته فيها دون سواها؟”.. أجابها الشاب وكأنه يحكي حلما “ابتسامتها ساحرة.. وعيناها تشعـّان ذكاء.. ثقتها بنفسها تفوق الوصف.. وروحها أقرب إلى روح طير شارد.. وقلبها أشبه بحمامة بيضاء تنشر السلام أينما حلّت.. إذا حضرتْ استحال الكون نوافير فرح.. وإن غابت حلّ الضجر والوجوم وأثقل الوجود وطأته مثل حزن طويل.. لا تمشي على الأرض مثلنا بل تتقافز مثل مهرة.. ولا تتنفس مثلنا وإنما تتنشـق السماء مثل ملاك نوراني..”

“يا إلهي! لقد سحرتْ ابني هذه الملعونة!”

وبعد جدال طال ويأس طال.. قررت الأم أن تواجه الحبيبة وجها لوجه.. وقررت أن تحاول رؤيتها بعين ولدها.. لعلها تفهم سرّ ذلك العشق المميت.. ولم يطلْ النقاش بينهما حتى قالت الفتاة ببساطة وبراءة “يا خالة.. نحن عاشقان.. ويهمّـنا جدا رضاك.. وأنا لا أريد سوى حبيبي.. فهل يرضيك مثلا أن أوقـّع لك وثيقة ضمان مدى الحياة تـُنسي ولدكِ معنى الملل؟.. فأنا إن كنت أكره شيئا في حياتي فهو الانتظار والملل.. قررت أن ألغي الانتظار من حياتي ورحت أملأ فراغاته بكل ما يجعل الوقت جميلا وممتعاً.. وأن ألغي الملل بالتحايل عليه فأبددّه بكل ما يجدّد يومي وخلايا روحي.. أما الحزن الذي لا نعرف سواه صنوا فقد تآلفتُ معه وعقدتُ اتفاقية سلام بأن أتقبـّل وجوده شرط ألا يدمر حياتي.. مثلما تعلمت أن أروّض الغضب بالتسامح والتغاضي.. وإذ أحس أنني وحبيبي شخص واحد.. فأنا أعدك بأن أمنحه السعادة ما حييت..”

وافقت الأمّ على مضض.. وتمّ المراد.. وتحوّل العشق بمرور السنين إلى ألفة ومحبة.. وهاهي قد جاوزت الخمسين وما زالت تملك تلك الابتسامة الساحرة ذاتها والتماعة العينين.. مازالت تراقص النسيم إذ تسارع في مشيتها وكأنها على موعد دائم مع حب جديد أو نشوة نجاح..

وبقي ضمانها ساري المفعول فلم تخن كلمتها ولم تنكث العهد.. وكللته بأسرة جميلة وزوج سعيد وأولاد وأحفاد لا أحد يحاكي طفولتهم مثلها.. وبقيتْ روحها وثقتها هما سرا جمالها الحقيقي..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر