الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

الاثنين 18 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10846

هدية لا ترد

مسألة الإهداء والشكر في مفتتح الكتب الضعيفة والمرتجلة والمسروقة باتت لافتة للانتباه، إذ ما من كتاب ينطوي على مفسدة إلا وتجده مصدّرا بإهداء لكاتب شهير.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/02/03، العدد: 10174، ص(15)]

لم أصدق عيني وأنا أتصفح مطبوعا أدبيا، من تلك العينة التي يقوم أصحابها بطباعتها على نفقتهم لتوزيعها في المناسبات الاجتماعية، بدل بطاقات الزيارة، حين تلقفتني في صفحة الإهداء عبارة جدية تقع على الطـرف النقيض من كل ذلك الحشو النثري المصفف بعناية بيـن دفتي الكتـاب، يقول فيهـا المؤلف "إلى الأديـب الوازن والنـاقد المجيد الدكتور محمد الكتاني". وجـدت نسخـة الكتاب محشورة في صندوق بريدي الخاص، مع رسالة مهذبـة تعرف بالمـؤلف وبكتـابه الأول، وخلفيتـه الأدبيـة والدراسيـة. وضعت المطبوع على مكتبي بعد أن تصفحت الفهرس وقائمة المصادر والمراجع، وسدرت في الخواطر التي استثارتها الهدية المستعصية على الرفض.

تذكرت الهيئة المهيبة لأستاذي محمد الكتاني ومحاضراته في مادة النقد الحديث، أواسط الثمانينات من القرن الماضي، حيث كان يدرّسنا نصوص طه حسين وعباس محمود العقاد ومصطفى صادق الرافعي، كان حينئذ عميدا لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، وصاحب صيت معرفي كبير، إذ كان من أوائل الذين حازوا شهادة الدكتوراه في الآداب بالمغرب، ومن ثلة الرواد الذين أسسوا أسلاك الدراسات العليا بالجامعة المغربية، وأحد الذين اختارهم المرحوم الحسن الثاني في السنوات الأخيرة من حكمه للالتحاق بالديوان الملكي… استحضرت كل هذه السجايا الرمزية لأستاذنا وأنا أتخيله مستلما -رغما عنه- هديته، بمضامينها الملفقة، وعربيتها الطافحة بالأخطاء، التي تستدعي المثل القديم “أحشفًا وسوءَ كيلةٍ”.

والحق أن مسألة الإهداء والشكر في مفتتح الكتب الضعيفة والمرتجلة والمسروقة باتت لافتة للانتباه، إذ ما من كتاب ينطوي على مفسدة إلا وتجده مصدّرا بإهداء لكاتب شهير، أو يتوجه المؤلف في مفتتحه بالشكر لحجة في بابه، كأن يهدي الروائي الفاشل نصه لنجيب محفوظ، والناقد المدعي بحثه لإدوارد سعيد، والفيلسوف الزائف دراسته إلى عبدالله العروي… وكأنما في وضع هذه الأسماء عند العتبات وقاية للمكتوب من سوء الظن، ألم يهدِ الفائز بجائزة الشيخ زايد في النقد الأدبي قبل سنوات كتابه عن “النقد الثقافي” الطافح بالسرقات إلى من سرق منه تحديدا وهو الباحث السعودي المعروف عبدالله الغذامي.

جالت كل هذه الأفكار بخاطري وأنا أتأمل في عمق الورطة التي يجد الكاتب الحقيقي نفسه فيها، حين يُخصّ بإهداء مغرض دون أن يكون بمقدوره الاعتراض عليه، أو التحلل من تبعاته، ذلك أن التبعات هنا على قدر كبير من الخطورة حيث يجرّ الاسم المبتلى بها في مسار تدنيسي لا فكاك منه، قد تكون بدايته بالوجود في رفوف هامشية من المكتبات، أو في قعر المخازن الباردة، وقد تكون نهايته لا قدر الله في صناديق القمامة.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر