الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

لقد وقعنا في الفخ

شعوب دول الخريف العربي قد وقعت في الفخ فعلا، أو هي فقعت في الوخ وفق تعبير عادل إمام، عندما اعتقدت أنها ستصبح أفضل وأجمل وأغنى، فوجدت نفسها أمام حالة من الفوضى في كل شيء.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/02/03، العدد: 10174، ص(24)]

في مشهد من فيلم "مرجان أحمد مرجان" كان البطل عادل إمام الذي دفع به ثراؤه وفساده إلى اقتحام كل المجالات، قد قرر أن يخوض عالم المسرح كذلك، ولأنه ذكي جدا وموهوب جدا، أسند إليه مخرج مسرح الجامعة جملة واحدة من مسرحية هاملت، وهي "لقد وقعنا في الفخ" ولكنه فشل في حفظها فقلب حروفها وأضاع معناها حتى صارت "لقد فقعنا في الوخ" "لقد تشحمنا في الشحم وتلسوعنا في الفحم".

اليوم هناك عرب كثيرون يرددون الجملة ذاتها: لقد وقعنا في الفخ، ولكن بأساليب شتى، وبمفردات قد تختلف ولكنها تصبّ في ذات المعنى، وأحيانا بالصمت أو بالدموع.

في بلد عربي من بلدان الخريف العاصف، حلّت الثورة شركات تأجير العمالة، ووجدت مؤسسات الدولة نفسها بلا أعوان حراسة ولا أعوان نظافة، فاتجهت إحدى المؤسسات للتحايل على القوانين الثورية من أجل توفير حراسة لمخازنها، وكان الحل الوحيد أن تستأجر كلابا من شركة متخصصة، على أن يكون مع كل كلب مدرّب، وهكذا بات الكلب موظفا لدى الدولة، والحارس موظفا لدى الكلب، وكان الأجر يدفع لشركة الكلاب التي تقوم بدورها بدفع أجر أعوان الحراسة.

في أحد الأيام، تمارض بعض الكلاب، وتم عرضها على القسم الصحي، وقررت المؤسسة الحكومية قطع الراتب عنها، بعد أن تبين أن حتى الكلاب فيها ما تدعي المرض للإفلات من الواجب المهني، ورغم أن أعوان الحراسة واصلوا عملهم إلا أنهم لم يحصلوا على أجورهم، لأنها وببساطة كاملة ملحقة بأجور الكلاب التي تعرضت للعقاب الإداري.

في ذات الدولة، اكتشفت جهات مسؤولة خلال الأيام الماضية أن جدول ترقيات العام الجديد تضمن أسماء لأشخاص متوفين منذ أعوام، بما يعني أن الحكومة كانت تدفع أجورا للموتى، كما تبيّن أن بعض جرحى الثورة "المباركة" كانوا يحصلون على رواتب شهرية من الدولة في الوقت الذي كانوا يقاتلون فيه مع داعش في سوريا والعراق.

هذه قصة حقيقية، وليست من نسج الخيال وهناك ما هو أعجب وأغرب منها، خصوصا من الفساد المالي والإداري والإهمال الوظيفي والجهل بالقانون أو التمرد عليه، والتلاعب بالوثائق والحسابات والمصالح، ودمج الخاص في العام، وتحويل مؤسسات حكومية إلى شركات عائلية أو حزبية.

ويبدو أن شعوب دول الخريف العربي قد وقعت في الفخ فعلا، أو هي فقعت في الوخ وفق تعبير عادل إمام، عندما اعتقدت أنها ستصبح أفضل وأجمل وأغنى، فوجدت نفسها أمام حالة من الفوضى في كل شيء، وأمام فساد منتهج مرة باسم الدين وأحيانا باسم الديمقراطية أو الثورية أو الكرامة والعدالة والإنصاف، واكتشف المخدوعون بالشعارات البراقة وبروباغندا الثورات المصطنعة أن القضية ليست قضية أنظمة أو قيادات دكتاتورية سابقة أو لاحقة، ولكنها قضية دول إن تراجعت هيبتها رقصت فوق هامتها الذئاب المفترسة.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر